نبيه في الصبر وترك المثلة، فالآية بهذا المعنى حاضَّة على العدل مع الكفار، مبينة ما يحل أخذهم به من العقاب، ومرغبة في الصبر، وهي بهذا المعنى محكمة غير منسوخة.
ثم لما كان يوم فتح مكة نزلت ثالثة تذكيرًا للمسلمين في نحو المعنى الذي نزلت فيه في أحد.
فمورد النسخ [1] الذي قال به ابن عباس -بحسب ما فهمه من قوله بعض أهل العلم- في الآية غير مورد الإحكام، ولم يأت في شيء مما روي عنه أنه قال بنسخ جواز المعاقبة بالمثل، وإنما محصل قوله في رواية البيهقي عنه، تخصيص عموم الآية من جهة مباشرة المعتدى عليه استيفاء حقه دون الانتهاء إلى الحاكم، والسلف تسمي التقييد والتخصيص نسخًا، قال ابن القيم رحمه الله:
(ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة وهو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة، إما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد وتفسيره وتبيينه، حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخًا لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ بل بأمر خارج عنه، ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى، وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر [2] .
والذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما في رواية البيهقي ليس نسخًا على معنى النسخ في الاصطلاح المتأخر، بل هو من باب رفع دلالة العام وتخصيصه بدليل آخر، ألا تراه استدل على قوله بقول الله تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} ، وليست هذه الآية إلا مخصصة لعموم تلك الآية بنهي المسلمين عن الانتصار لأنفسهم دون الانتهاء إلى السلطان على ما ذهب إليه ابن عباس، وإنما موردها في قصاص القتل، ويُلحق به ما في معناه من الحدود والدماء، وهذا يكاد أن
(1) إنما هذا على التنزل، وإلا فليس في قول ابن عباس رضي الله عنهما لفظة النسخ.
(2) إعلام الموقعين (1/ 29) .