فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 100

ويظهر من خلال ما تقدم أن الآية نزلت يوم الفتح على رواية أبي بن كعب رضي الله عنه، وعلى ما ورد في حديث أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم إن قلنا بثبوت حديث ابن عباس، فنزول الآية كان بعد وقعة أحد، وعلى ما رواه البيهقي عن ابن عباس فهي مما نزل بمكة، فأما رواية الطبري عنه فضعيفة لا يُحتج بمثلها.

قال السيوطي رحمه الله بعد ذكره لحديث أبي هريرة وحديث أبي بن كعب رضي الله عنهما:

(فظاهره -أي حديث أُبي- تأخير نزولها إلى الفتح، وفي الحديث الذي قبله نزولها بأحد قال ابن الحصار: ويجمع بأنها نزلت أولًا بمكة قبل الهجرة مع السورة لأنها مكية، ثم ثانيًا بأحد، ثم ثالثًا يوم الفتح تذكيرًا من الله لعباده [1] .

وقال الزرقاني رحمه الله:

(لا مناص لنا من القول بتعدد نزولها مرة في أحد ومرة يوم الفتح. وقد ذهب البعض إلى أن سورة النحل كلها مكية، وعليه فتكون خواتيمها المذكورة نزلت مرة بمكة قبل هاتين المرتين اللتين في المدينة وتكون عدةُ مراتِ نزولها ثلاثًا، وبعضهم يقول إن سورة النحل مكية ما عدا خواتيمها تلك فإنها مدنية، وعليه فعدةُ مراتِ نزولها اثنتان فقط [2] .

فيظهر والله تعالى أعلم أنه يمكن الجمع بين الروايات الواردة في سبب نزول الآية، فيقال: نزلت بمكة للمعنى الذي ذكره الحبر ابن عباس رضي الله عنهما فيما رواه البيهقي عنه، وقد زال سبب الحكم الذي نزلت من أجله بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وإعزاز الله للمسلمين فخُصص عموم الآية من جهة السبب المنتفي، فهي منسوخة بهذا الاعتبار عند السلف.

ثم نزلت بعد أحد للذي عزم عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من التمثيل بالمشركين فوق ما فعلوه بالمسلمين، فأمرهم الله بالعدل في المثلة إن عاقبوا، ثم عزم على

(1) الإتقان في علوم القرآن (1/ 123) .

(2) مناهل العرفان (1/ 120) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت