(والثاني: أنه كان في أول الأمر إذا اعتدي على الإنسان فله أن يقتص لنفسه بنفسه من غير مرافعة إلى سلطان المسلمين، ثم نسخ ذلك بوجوب الرجوع إلى السلطان في إقامة الحدود والقصاص، قال شيخنا [1] وممن حكي ذلك عنه ابن عباس رضي الله عنهما.
قلت-ابن الجوزي-: وهذا لا يثبت عن ابن عباس ولا يعرف له صحة، فإن الناس ما زالوا يرجعون إلى رؤسائهم وسلاطينهم في الجاهلية والإسلام إلا أنه لو أن إنسانا استوفى حق نفسه من خصيمه من غير سلطان أجزأ ذلك، وهل يجوز له ذلك؟ فيه روايتان عن أحمد).
قال العبد الضعيف: بل هو ثابت عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقد رواه الطبري وابن أبي حاتم عنه كما تقدم، وكذلك رواه عنه البيهقي بإسناد حسن وسيأتي نقله.
قال ابن الجوزي رحمه الله:
(والثالث: أن معنى الآية فمن اعتدى عليكم في الشهر الحرام فاعتدوا عليه فيه ثم نسخ ذلك، وهذا مذكور عن مجاهد، ولا يثبت ولو ثبت كان مردودًا، بأن دفع الاعتداء جائز في جميع الأزمنة عند جميع العلماء، وهذا حكم غير منسوخ) .
قلت: والذي رواه الطبري عن مجاهد ليس فيه أنه قال بالنسخ، وكذلك تقدم عن ابن أبي حاتم رحم الله الجميع.
ثم قال ابن الجوزي:
(والصحيح في هذه الآية أنها محكمة غير منسوخة .. -إلى أن قال:- فأما قوله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} فقال سعيد بن جبير: كان المشركون قد عاهدوه يوم الحديبية أن يخلوا له مكة ولأصحابه العام المقبل ثلاثة أيام، فلما جاء العام الذي كان الشرط بينهما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه محرمين بعمرة فخافوا، أن لا يوف لهم المشركون بما شرطوا وأن يقتلوهم عند المسجد الحرام، وكره المسلمون القتال في شهر
(1) هو أبو الحسن علي بن عبيدالله بن نصر بن الزاغواني من أئمة الحنابلة، وأحد مشايخ ابن الجوزي رحمهما الله، انظر سير أعلام النبلاء (19/ 605) .