فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 100

الله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} ، وهذا الجواب حسن عند هذه الآية، لكون الأمر بالعقاب مصروفًا عن الوجوب بأول الآية وآخرها، فأما في قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} فيحتاج هذا الجواب إلى جواب.

الثاني: حمل الوجوب في جزاء العدوان على بعض صور الاعتداء، كأن يكون المعتدي منتهكًا بعدوانه حرمة من حرمات الله، قاله الأمين الشنقيطي عليه رحمة الله وسيأتي نقل كلامه، وهو مُسَلّم في هذا القدر، وتبقى المسألة كما هي في بقية الصور.

الثالث: أن الأصل في الأمر الوجوب ما لم يرد صارف، والأمر بالعقاب بالمثل مصروف عن الوجوب بأدلة كثيرة إلا في بعض الحالات، وهذا أنهض الأجوبة وأحسنها وأوفقها للفظ الآية، ولم أر من ذكره، وبالله تعالى التوفيق.

المسألة السادسة: فإذا استبان هذا، ففي معنى قوله الله تعالى في آخر الآية: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} يقول أبو جعفر الطبري رحمه الله:

(يعني جل ثناؤه بذلك: واتقوا الله أيها المؤمنون في حرماته وحدوده أن تعتدوا فيها، فتتجاوزوا فيها ما بيَّنه وحدَّه لكم، واعلموا أن الله يحب المتقين، الذين يتقونه بأداء فرائضه وتجنب محارمه [1] .

وقال السعدي رحمه الله:

(ولما كانت النفوس في الغالب لا تقف على حدها إذا رخص لها في المعاقبة لطلبها التشفي، أمر تعالى بلزوم تقواه، التي هي الوقوف عند حدوده، وعدم تجاوزها، وأخبر تعالى أنه {مَعَ الْمُتَّقِينَ} أي: بالعون، والنصر، والتأييد، والتوفيق، ومن كان الله معه، حصل له السعادة الأبدية، ومن لم يلزم التقوى تخلى عنه وليه، وخذله، فوكله إلى نفسه فصار هلاكه أقرب إليه من حبل الوريد. [2] .

(1) تفسير الطبري (3/ 582) .

(2) المحرر الوجيز (1/ 264) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت