فهرس الكتاب

الصفحة 1240 من 2311

قوله تعالى: كُلَّما خَبَتْ قال ابن عباس: أي: سكنت. قال المفسّرون: وذلك أنهم تأكلهم، فإذا لم تُبق منهم شيئًا وصاروا فحما ولم تجد شيئا تأكله، سكن، فيُعادُون خلقًا جديدًا، فتعود لهم. وقال ابن قتيبة: يقال: خبت النار: إِذا سكن لهبها. فالَّلهب يسكن، والجمر يعمل، فإن سكن الَّلهب، ولم يُطفَأ الجمر، قيل: خَمَدت تَخْمُدُ خُمُودًا، فإن طُفئت ولم يبق منها شيء، قيل: هَمَدت تَهْمُد هُمُودًا. ومعنى زِدْناهُمْ سَعِيرًا: نارًا تتسعر، أي تتلهَّب. وما بعد هذا قد سبق تفسيره «1» إلى قوله تعالى: قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ أي: على أن يخلقهم مرة ثانية، وأراد ب «مثلهم» إِياهم، وذلك أن مِثْل الشيءِ مساوٍ له، فجاز أن يعبّر به عن نفس الشيء، يقال: مِثْلُك لا يفعل هذا، أي: أنت، ومثله قوله تعالى: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ «2» وقد تمّ الكلام عند قوله تعالى: مِثْلَهُمْ، ثم قال: وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ يعني: أجل البعث فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا أي: جحودًا بذلك الأجل. قوله تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي قال الزجاج: المعنى: لو تملكون أنتم، قال المتلمِّس:

وَلَوْ غيرُ أَخْوَالِي أَرَادُوا نَقِيصَتِي ... نَصبْتُ لهم فَوْقَ العرانينِ مِيسَما «3»

المعنى: لو أراد غير أخوالي.

وفي هذه الخزائن قولان: أحدهما: خزائن الأرزاق. والثاني: خزائن النِّعم.

فيخرج في الرحمة قولان: أحدهما: الرِّزق. والثاني: النِّعمة. وتحرير الكلام: لو ملكتم ما يملكه الله عزّ وجلّ لأمسكتم عن الإنفاق خشية الفاقة. وَكانَ الْإِنْسانُ يعني: الكافر قَتُورًا أي:

بخيلًا مُمْسِكًا يقال: قَتَر يَقْتُرُ، وقَتَر يَقْتِرُ: إِذا قصَّر في الإِنفاق. وقال الماوردي: لو ملك أحد من المخلوقين من خزائن الله تعالى، لما جاد كجود الله تعالى، لأمرين: أحدهما: أنه لا بد أن يُمسِك منه لنفقته ومنفعته. والثاني: أنه يخاف الفقر، والله تعالى منزَّه في جُوده عن الحالين.

ثم إِن الله تعالى ذكر إِنكار فرعون آيات موسى، تشبيهًا بحال هؤلاء المشركين، فقال: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ وفيها قولان: أحدهما: أنها بمعنى المعجزات والدلالات، ثم اتفق جمهور المفسرين على سبع آيات منها، وهي: يده، والعصا، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم، واختلفوا في الآيتين الآخرتين على ثمانية أقوال: أحدها: أنهما لسانه والبحر الذي فلق له، رواه العوفي عن ابن عباس يعني بلسانه: أنه كان فيه عقدة فحلَّها الله تعالى له. والثاني: البحر والجبل الذي نُتق فوقهم، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: السّنون ونقص الثمرات، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والشعبي، وعكرمة، وقتادة. وقال الحسن: السِّنون ونقص الثمرات آية واحدة. والرابع: البحر والموت أُرسل عليهم، قاله الحسن، ووهب. والخامس: الحَجَر والبحر، قاله سعيد بن جبير. والسادس: لسانه وإِلقاء العصا مرتين عند فرعون، قاله الضحاك. والسابع: البحر والسِّنون، قاله محمد بن كعب. والثامن: ذكره محمد بن إِسحاق عن محمد بن كعب أيضًا، فذكر السبع الآيات الأولى، إِلا أنه جعل مكان يده البحر، وزاد الطمسة والحجر، يعني قوله تعالى: اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ.

(1) الإسراء: 49.

(2) سورة البقرة: 137.

(3) في «اللسان» : نقيصتي: ظلمي- العرانين: الأنوف- والميسم: آلة الوسم بالنار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت