فهرس الكتاب

الصفحة 2122 من 2311

بطن الوادي، فنوديتُ فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني، وعن شمالي، فلم أر أحدًا، ثم نوديتُ فرفعتُ رأسي فإذا هو في الهواء، يعني: جبريل عليه السلام، فأقبلتُ إِلى خديجة، فقلت: دثّروني دثّروني، فأنزل الله عزّ وجلّ: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ.

(1497) قال المفسرون: فلما رأى جبريل وقع مغشيًا عليه، فلما أفاق دخل إلى خديجة، ودعا بماءٍ فصبَّه عليه، وقال: دثِّروني، فدثَّروه بقطيفة، فأتاه جبريل فقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ وقرأ أُبَيُّ بن كعب، وأبو عمران، والأعمش «المتدثِّر» بإظهار التاء، وقرأ أبو رجاء، وعكرمة، وابن يعمر «المدثر» بحذف التاء، وتخفيف الدال. قال اللغويون: وأصل «المدَّثِّر» المتدثر، فأدغمت التاء، كما ذكرنا في المتزمّل، وهذا قول الجمهور من التدثير بالثياب، وقيل المعنى: يا أيها المدثر بالنبوَّة، وأثقالها. قال عكرمة:

دثّرت هذا الأمر فقم به..

قوله عزّ وجلّ: قُمْ فَأَنْذِرْ كفارَ مكة العذابَ إن لم يُوحِّدوا وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ أي: عظِّمه عما يقول عبدة الأوثان وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ فيه ثمانية أقوال «1» :

أحدها: لا تلبسها على معصية، ولا على غدر. قال غيلان بن سلمة الثقفي:

وَإني بِحَمْدِ الله لاَ ثَوْبَ فَاجِرٍ ... لَبِسْتُ وَلاَ مِنْ غَدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ «2»

روى هذا المعنى عكرمة عن ابن عباس.

والثاني: لا تكن ثيابُك من مكسب غير طاهر، روي عن ابن عباس أيضًا.

والثالث: طهر نفسك من الذنب، قاله مجاهد! وقتادة. ويشهد له قول عنترة:

فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الأَصَمِّ ثِيَابَهُ ... لَيْسَ الكَرِيمُ عَلَى القَنَا بِمُحرَّمِ

أي: نفسه، وهذا مذهب ابن قتيبة. قال: المعنى: طهر نفسك من الذنوب، فكنّى عن الجسم

يقولون: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك وقلت له مثل الذي قلت، فقال: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «جاورت ... » الحديث، وفيه «وصبوا عليّ ماء باردا» . وأخرجه البخاري 4 و 3238 و 4925 و 4954 و 6214 ومسلم 161 ح 255 وأحمد 3/ 306 والترمذي 3325 والطبري 35307 والبيهقي في «الدلائل» 2/ 138 و 156 وأبو نعيم في «الدلائل» 1/ 278 من طرق عن الزهري عن أبي سلمة به.

انظر ما قبله.

(1) قال ابن كثير رحمه الله في «تفسيره» 4/ 521 وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ أي: اغسلها بالماء. وقال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره الله أن يتطهر ويطهر ثيابه. وهذا القول اختاره ابن جرير وقد تشمل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب. وقال ابن العربي رحمه الله في «تفسيره» 4/ 340: ليس بممتنع أن تحمل الآية على عموم المراد فيها بالحقيقة والمجاز، وإذا حملناها على الثياب المعلومة فهي تتناول معنيين: أحدهما: تقصير الأذيال، فإنها إذا أرسلت تدنست، ولهذا قال عمر بن الخطاب لغلام من الأنصار: وقد رأى ذيله مسترخيا: يا غلام، ارفع إزارك، فإنه أتقى وأنقى وأبقى اه. والمعنى الثاني: غسلها من النجاسة، وهو ظاهر منها صحيح فيها.

(2) البيت لغيلان بن سلمة الثقفي، كما في «الجامع لأحكام القرآن» 19/ 59 و «تفسير الطبري» 12/ 298 و «اللسان» - ثوب-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت