منهم ما يسقطُ الثقةَ بقولهم.
وقَبِلَ هؤلاءِ شهادةَ مَنْ سبَّ الصحابةَ والسلفَ - رضي الله عنهم -؛ لأنَّهُ يقدِمُ عليهِ عن اعتقادٍ لا عنْ عداوةِ عنادٍ، قالوا: ولو شهدَ خَطّابيٌّ وذَكرَ في شهادتهِ ما يقطعُ احتمالَ الاعتمادِ على قولِ المدّعي بأنْ قالَ: سمعتُ فلانًا يقرُّ بكذا لفلانٍ أو رأيتُهُ أقرضهُ قُبلتْ شهادتُهُ ثمَ صوّبَ ما قالتْ هذه الفرقةُ الأولى من قبولِ شهادةِ الجميعِ، قالَ: فقد قالَ الشافعيّ في"الأم" [1] : ذهب الناس في تأويل القرآنِ والأحاديثِ إلى أمورٍ تباينوا فيها تباينًا شديدًا، واستحلَّ بعضُهم منْ بعضٍ ما تطولُ حكايتُهُ وكانَ ذلكَ متقادمًا منهِ، ما كانَ في عهدِ السلفِ وإلى اليومِ، فلم نعلم أحدًا منْ سلف الأمةِ يُقتدَى بهِ، ولا مَنْ بعدَهم مِنَ التابعينَ ردَّ شهادةَ أحدٍ بتأويلٍ، وإن خطّأهُ وضلّلهُ، ورآهُ استحلَّ ما حرّمَ اللهُ عليهِ، فلا تُرّدُ شهادةُ أحدٍ بشيءٍ من التأويلِ كانَ لهُ وجهٌ يحتملُ وإنْ بلغ فيهِ استحلالَ المالِ والدمِ )) . هذا نصّهُ بحروفهِ، وفيهِ التصريحُ بما ذكرناهُ وبيانُ ما ذكرناهُ في تأويلِ تكفيرِ القائلِ بخلقِ القرآنِ، ولكنَّ قاذفَ عائشةَ -رضي اللهُ عنها- كافرٌ لا تُقبلُ شهادتُهُ، ولنا وجهٌ أنَّ الخطابيَّ لا تُقبلُ شهادتُهُ وإن بيَّنَ ما يقطعُ الاحتمالَ؛ لاحتمالِ اعتمادهِ فيهِ على قولِ صاحبهِ. انتهى. وفيهِ اختصارٌ، وهو وما قبلَهُ يتنزلُ على ما ذَكرَهُ الغزاليُّ من ذلك القانونِ، وكلُّ ذلك يدلُّ على تصويبِ فعلِ الشيخينِ البخاريِّ ومسلمٍ في الاحتجاجِ بأخبارِهم، ولو كانوا دعاةً إلى بدعِهم، والله أعلم.
قولهُ: (يردُّ مطلقًا) [2] ، أي: سواءٌ كان داعيةً أو لا، خطابيًا أو لا.
قولهُ: (نُصرةَ مذهبٍ) [3] هو مفعولٌ له، والعاملُ فيهِ (( استحلَّ ) )، أي:
(1) الأم 6/ 205.
(2) التبصرة والتذكرة (294) ، والذي في نسخة (ف) : (( ومطلقًا ) ).
(3) التبصرة والتذكرة (295) .