ثم فقد ظهر لدينا ألوف من الشباب، يتساءلون في قصائدهم عن سر الحياة، ورهبة الموت، ومن أين نجئ؟ وإلى أين نذهب؟ ويملئون أبياتهم بالدهشة والارتباك والذهول، ثم يحسبون بعد ذلك أنهم فلاسفة شعراء، مع أن الأفكار التي تجد مجالها في عقولهم كثيرًا ما تتردد في أذهان العامة والأميين، فهل صار هؤلاء جميعًا بتساؤلهم الحائر فلاسفة مفكرين؟! كلا أيها القوم فالفلسفة لا تستند إلى الأوهام والتناقض، ولكنها تستند إلى الجزم والثبات، ونحن نعلم أن من الفلاسفة من بنى فلسفته على الشك في الحقائق، ولكن الشك شيء، والتناقض والتردد شيء آخر دون نزاع
ولابد لنا أن نذكر مثالًا من شعر الزهاوي يوضح قلقه الذهني، وتبلبله النفسي، وتردده في مجاهل اللوعة والحيرة، وأقرب شاهد لدينا ما ذكره في مصير النفس بعد الموت، فقد أطال في ذلك إطالة تدعو إلى السأم والاستخفاف، وما تكاد تقرأ له قصيدة حتى تستشف أوهامه الحائرة، وهواجسه المضطربة، فوجه بذلك أذهان الشبيبة الشاعرة إلى ما عرفوا فيه من التخرض والظنون، وأصبح المتأدبون من بعده ينهجون نهجه، زاعمين أنهم مثله، فلاسفة شعراء! وقد ارتاع أستاذنا محمد فريد وجدي لهذه النوازع الإلحادية، متى تسممت بها قصائد الشباب في فترة من الزمان، فكتب إلى الأستاذ الزهاوي خطابًا مفتوحًا، على صفحات جريدة السياسة (وقد كانت مسرحًا لنوازعه المادية) يرجو أن يناقشه نقاشًا علميًا أمام القراء لتتضح الحقيقة للعيان بعد الجدل والتمحيص، فاعتذر الزهاوي ولم يجد لديه من الأسلحة العلمية ما ينازل به فريد، وعلة ذلك واحدة، فالشاعر إذا نظم قصيدته لا يتقيد بمنطق دقيق بل يرسل آراء في جو شعري يستثير العاطفة والانفعال، ويحيطه الوزن العروضي بضرب من النغم الموسيقي الخلاب! أما الكاتب فملزم بمقارعة الحجة ومناهضو الدليل، ولن ينقذه من الحقيقة بيان ناصع، ولفظ رشيق
لقد قال الزهاوي في فناء الروح
يقولون إن النفس حق وجودها ... فلا ينبغي إنكارها وجحودها
فقلت لهم هذا جميل وعله ... خيالات عقل شارد لا أريدها
ولم يكن الإنسان إلا ابن غابة ... على فجأة قد أنجبته قرودها
فماذا يرى القراء في هذه الأبيات، إنها مثال من عشرات الأمثلة التي تؤكد فناء الروح،