إليها، تاركا تقدير ذلك لحكمة ولاة الأمور وفطنتهم. وإنما أبتغي، كناقد، أن أكشف عن بواعث هذه المحنة من الناحية النية وحدها، وأن أوضح مدى ما يترتب عليها من خطورة على الفن المسرحي
وربما لا يفي لإيضاح ذلك أن نسرد تاريخ زكي طليمات وجهاده الفني في أكثر من ثلاثين عامًا؛ بل يجدر بنا أن نتلمس أثره العميق في الحقبة الأخيرة التي بدأت بإنشاء فرقته وانتهت باستقالته وندب غيره لإدارتها وانقطاع الصلة الوثقى بينه وبين تلامذته الذين تألبوا عليه لنرى نتائج هذا الأثر في تطور المسرح المصري وبالتالي لنرى مدى الخسارة آلتي ستلحق به بفصل المتأبين. . . الناشئين!
ولنعد قليلًا إلى الوراء. وحسبنا أن نعود إلى الفترة التي سبق إنشاء هذه الفرقة لنستذكر ما جاهر به النقاد وقتئذ، فقد أجمعوا على أن المسرح المصري بلغ من الهزال حدا لا رجاء فيه، وحاول بعضهم تأويل ذلك إما بغلبة السينما عليه على اعتبار أنها أكثر منه ملاءمة لروح العصر. . أو بانصراف الناس إلى أمور معاشهم أو ما شبه ذلك ونسوا جميعًا أن المسرح فن لا يزال يزدهر عند الأوربيين وهم أكثر منا انشغالًا بالسينما وتكالبًا على الأمور المعاشية. . . والمهم أن أحدًا لم يتمكن من تشخيص الداء ووصف الدواء سوى زكي طليمات. . إذ اهتدى بثقافته وتجربته وتخصصه إلى أمرين جوهريين:
الأمر الأول أن النهاية التي وصول إليها مسرحنا لم تكن إلا نتيجة حتمية للبداية التي بدأ بها. فقد بدأ في أواخر القرن الماضي بداية ساذجة بمعنى أنه لم ينبت نبتًا طبيعيًا كما حدث عند الإغريق، ولم ستنبت استنباتًا سليمًا كما حدث في أوربا، فكان لابد من أن ينتهي إلى تلك النهاية الساذجة
والأمر الثاني أن المسرح فن لا تستقيم له الحياة إلا إذا توافرا له البيئة التي تحيى فيها والعقلية التي تدركه، وهذا ما لم يتهيأ لمسرحنا في شتى عهوده. فكما أن فكرة الجيل القديم عنه لم تخرج عن اعتباره إحدى وسائل التسلية والتلهية والتنفيس. . كذلك ظلت فكرة الجيل الأخير مع اختلاف في التفاصيل دون الصميم
من أجل ذلك وضع سياسته الفنية على أساس تقريب إنتاجنا من الأوضاع الفنية الصحيحة وتهيئة بيئتنا وأذهاننا لتقبل هذه الأوضاع، وتحقيقًا لهذه السياسة أنشأ فرقته على دعائم