فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ومِن لطائِفِ التوفيقِ الإلهِيِّ: أنَّ آخِرَ حديثٍ في كتابِ «حُسْنِ الظنّ بالله» (150) -للإمام ابن أبي الدُّنيا- هو حديث: «إن لله عُتقاء من النار ... » ...
وما استدلَّ به بعضُ أفاضل أهل العِلْم -رحمهُمُ اللهُ- تجويزًا لهذا الدُّعاء! - مِن حديث أبي هُرَيْرَةَ، عنه صلى الله عليه وسلم قال: «مَن أَعْتَقَ رَقَبَةً مؤمنةً؛ أعْتَقَ اللهُ مِنْهُ بكلِّ عُضْوٍ منهُ عُضوًا مِن النَّار» [مُتَّفَقٌ عليه «إرواء الغليل» (1742) ] ؛ فهو لا يخرُجُ عمَّا ذَكَرْتُهُ -ألْبَتَّة-!
وبيانُهُ مِن وَجْهَيْنِ:
الأوّل: أنَّ هذا الحديثَ -أيضًا- موصولٌ بعِلْمِ الله -تعالى- في هؤلاء المُعتَقِين، وليس ذا صِلَةٍ -بأيِّ وجهٍ مِن الوُجوه- بعلمِ العبدِ نفسَهُ أنَّهُ يُعْتَق -أو سَيُعْتَق- مِنْهُ!
الثاني: أنَّ الحديثَ واردٌ فيمن (استحقَّ دُخولَ النَّار) -وهذا مِن عِلْمِ العظيمِ الجَبَّار -سُبحانَهُ- وَحْدَهُ-.
وقد دلَّ على ذلك روايةٌ عند البخاريِّ -رحمهُ اللهُ- للحديثِ نفسِهِ- فيها قولُهُ صلى الله عليه وسلم: « ... اسْتَنْقَذَ اللهُ بكلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضوًا مِن النَّارِ ... » :
فقد قال العَلامةُ الصَّنْعانِيُّ في «سُبُل السَّلام» (4/ 426) -شارحًا هذا الحديثَ-:
«وفي قولِهِ: «استَنْقَذَ» ما يُشْعِرُ بأنَّهُ بعد استحقاقِهِ لها».
وأمَّا الاعتراضُ على أصل الاستدلال بهذا الأثر السلفيِّ -على مقصودِهِ- بما صحَّ عن نبيِّنا صلى الله عليه وسلم مِن وصفِهِ سيِّدَنا أبا بكرٍ الصدِّيقَ رضي الله عنه بأنَّهُ: «عتيق الله مِن النار» [ «السلسلة الصحيحة» (1574) ] ؛ فهو اعتراضٌ ليس قائمًا؛ لسبَبَيْن:
الأوَّل: أنَّ هذا الوصفَ قد يَرِدُ بحَسَبِ الاستحقاقِ -حُكمًا-، وقد يَرَدُ -أيضًا- باعْتِبارِ حقيقةِ الدُّخُول -واقِعًا-؛ وفي كُلٍّ وَرَدَ النصُّ النبويُّ:
-أمَّا الاستحقاقُ الحُكْمِيُّ؛ فحديثُ أبي بكرٍ -هذا- واضحٌ في مقصودِهِ.
ومِثْلُه -تمامًا- الأحاديثُ المذكورةُ -قبلًا-.
-وأمَّا بحَسَبِ حقيقة الدُّخُول -واقعًا- مع اتِّحادِ اللّفظِ النبويِّ-؛ فما وَرَدَ في حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ -في وَصْفِ الجهنَّمِيِّين- عند الإمامِ مُسلم في «صحيحِه» (302) عنه صلى الله عليه وسلم: «عُتقاء الله» .
وروايةُ الإمام البخاريّ (7001) بلَفْظِ: «عُتقاء الرحمن» .
قال ابنُ الجوزي في «صيد الخاطر» (ص307) -في وَصْفِ حالِ هؤلاء (الجهنَّمِيِّين) :
«أَزْرَى بهم اتِّباعُ الهَوَى، ثُمَّ لَحِقَتْهُمُ العافيةُ؛ فنَجَوْا بعدَ لأْيٍ» -ربِّ سلِّم سلِّم-.
الثاني: أنَّ ما يتميَّزُ به أبو بكرٍ الصدِّيق رضي الله عنه في هذه الخَصِيصَةِ- عن باقي الأُمَّة -جميعًا- أنَّهُ أوَّل مَن أسلمَ. [ «مجموع الفتاوى» (4/ 462) ، و «أحكام أهل الذِّمَّة» (2/ 905) ] ؛ فكان هذا المَدْحُ النبويُّ له لهذا المعنى؛ وباعتبارِ ما كان عليهِ رضي الله عنه قبل بعثتِهِ -صلوات الله وسلامُه عليه-.
وأمَّا الاستدلالُ بحديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «ما مِنكُم مِن أحدٍ إلا وله منزِلان: منزلٌ في الجنَّةِ، ومنزلٌ في النار؛ فإنْ ماتَ ودَخَلَ النَّارَ؛ وَرِثَ أهلُ الجنَّةِ منزلَهُ؛ فذلك قولُهُ: {أولئك هم الوارِثُون} » [ «السلسلة الصحيحة» (2279) ] :
فقد رواهُ البخاريُّ (6200) عنهُ رضي الله عنه بلفظ: «لا أحدَ يدخُلُ الجَنَّةَ إلاّ أُرِيَ مقعدَهُ مِن النَّارِ لو أساءَ؛ ليزدادَ شُكرًا، ولا يدخُلُ النَّارَ أحدٌ إلاّ أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِن الجنَّةِ لو أحسنَ؛ ليكونَ عليه حسرةً» .
وعليهِ؛ فما قيلَ في هاتيك الأحاديث -مِن جهةِ الاستحقاقِ الحُكْمِيِّ- يُقال في هذا الحديث -سواءً بسواءٍ-؛ فهو على وَفْقِ عِلْمِ الله -عزَّ وجَلَّ-؛ كما وَرَدَ عن محمد بن النَّضْر الحارِثِيّ -وقد قال فيه عبدُ الرحمن بن مهدي: ما رأيتُ مثلَهُ في الصلاح. «العلل» (1119) -للإمام أحمد- توفي قبل سنة 150هـ-، أنَّهُ كَتَبَ إلى أخٍ له:
«أمَّا بعدُ؛ فإنَّك في دار تمهيد، وأمامَكَ منزلان؛ لا بُدَّ مِن أن تسكُنَ أحدَهُما، ولمْ يأْتِكَ أمانٌ فتطمَئِنَّ، ولا براءةٌ فتُقَصِّر.
والسلام» [ «اقتضاء العلم العمل» (رقم:161) ] .
(تنبيهٌ رابعٌ)
(يُتْبَعُ)