الحب - التأسي - الأخلاق أهداف الاحتفال بمولد سيد الأنام / الشيخ الجليل البوطي.
ـ [خلوصي] ــــــــ [01 Mar 2010, 05:50 ص] ـ
الحب - التأسي - الأخلاق
أهداف الاحتفال بمولد سيد الأنام
العدد: 3 (أبريل - يونيو) 2006
أ. د. محمد سعيد رمضان البوطي / دراسات إسلامية
تمت قراءة هذه المقالة 2745 مرة
لقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رُئي في يوم من أيام الاثنين صائمًا، فسأله أحد الصحابة عن ذلك -والشهر ليس شهر رمضان- فقال صلى الله عليه وسلم لَه: «ذاك يومٌ وُلدتُ فيه» (رواه مسلم) . وهذا يعني أنه صلى الله عليه وسلم يَحتفي باليوم الذي ولد فيه. فقد صحّ أنه ولد يوم الاثنين، وتوفي أيضًا يوم الاثنين، ومعاذ الله أن يكون احتفالُ المصطفى صلى الله عليه وسلم بيوم ولادته عن طريق صيام ذلك اليوم بدافع من التباهي، معاذ الله، وإنما هو شكر لله سبحانه وتعالى أن اصطفاه وأرسله رحمة للعالمين. ثم إنه تعليم لنا نحن المسلمين من أمة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإذا كان مصدرُ الرحمة يحتفي بيوم وِلادته، فالناس الذين تلقَّوا هذه الرحمة وأكرمهم الله عز وجل بها أَوْلى بالاحتفاء والاحتفال بيوم ولادته صلى الله عليه وسلم.
وها نحن في الأيام التي تفوح فيها ذكرى ولادة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن من دواعي تجديد البَيعة لرسول الله وتجديد المحبة له والنظر إلى حقيقة اتباعنا له عليه الصلاة والسلام أن نحتفي بذكرَى ولادته، لا لذات الاحتفاء.
ليس الاحتفاء مقصودًا بذاته وإنما هو وسيلةٌ إلى هدف؛ الهدف أن نجدد حبنا للمصطفى صلى الله عليه وسلم، فهذا هو الغرَض الأول، ثم أن نتأسّى بالمصطفى صلى الله عليه وسلم وهذا هو الهدف الثاني، وصدق الله إذ قال: ?لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ? (الأحزاب: 21) ، الهدف الثالث أن نجعل من الأخلاق التي أكرم الله عز وجل بها رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم منهج دعوتنا إلى الله، وأساسَ حوارنا مع عباد الله سبحانه وتعالى، فأنعِم بالاحتفال بذكرى مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما يكون سُلَّمًا لبلوغ هذه الأهداف الثلاثة.
1.الحبّ
الهدف الأول تغذية محبّتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أقول إيجاد محبتنا، فأنا لا أتصور أن يكون في الدنيا مسلم آمن بالله وآمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ثم لم يُصبح قلبه وِعاءً لمحبة هذا الرسول الذي اصطفاه الله وأرسله رحمة لنا: ?لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ? (التوبة: 128) .
مؤمن بالله وبرسول الله ثم لا يكون محبًا لله؟!
هذا أمر لا يمكن أن يكون، ولكن المأمول من احتفائنا واحتفالنا بذكرى مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم أن تُمتِّعنا ذكراه بمزيد من محبته وأن تتجدد محبتُه صلى الله عليه وسلم في أعماق نفوسنا. ونحن نعلم أنه صلى الله عليه وسلم قال فيما صحّ عنه: «لا يؤمن أحدُكم حتّى أكون أحبّ إليه من ماله وولده والناس أجمعين» (رواه البخاري) . لم يَقُل المصطفى صلى الله عليه وسلم هذا الكلام إطراءً لنفسه -لا، معاذ الله- وإنما بلَّغَنا ما أمره الله عز وجل أن يبلِّغنا إياه. أمَره الله أن يعلِّمنا بأن محبتنا لرسول الله جزء لا يتجزّأ من الإيمان بالله، فكان لا بدّ أن يبلِّغَنا ذلك وإلا ما أُدّيتْ أمانة الله سبحانه وتعالى، ?وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَه? (المائدة: 67) .
تلمّسوا في أفئدتكم مكان محبتكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، واعلموا أنه الدواء الذي يقضي على كثير من أمراضنا النفسية التي تجتاح عالَمنا الإسلامي كله.
محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم هي الدواء لو أن أفئدتنا كانت أوعية لهذا الحب. ونحن الذين حيل بيننا وبين رؤية المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولم تكتحل أعيننا بمَرآه وحُجبنا عن رؤيته بزمن يبلغ مداه أربعة عشر أو خمسة عشر قرنًا، لا بدّ أن يستبدّ بنا الحنين إليه، ولا بدّ أن يستبدّ بنا الشوق إليه ... إلى الذي تشوَّق إلينا قبل أن نتشوَّق إليه. ألا تذكرون يوم زار البقيع قُبيل وفاته، سلّم على أهل البقِيع ومعه ثلّة من أصحابه ثم قال:
(يُتْبَعُ)