أما بالنسبة للعمال وهم الموظفون العاملون، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر الحكم صريحًا فقال: (هدايا العمال غلول) أي: سرقة وحرام وسحت، من هم العمال؟ موظفو الدولة عمومًا، كل من تولى ولاية عامة، أو في مكان له علاقة بالناس يقضي لهم المعاملات، فإن هذا الموظف لا يجوز له أخذ الهدية من الناس أبدًا، وحديث ابن اللتبية واضح جدًا لما جاء يحاسب النبي عليه الصلاة والسلام قال: (هذا مالكم وهذا هدية -قال: هذه الزكوات جمعتها لكم وهذه أعطوني إياها هدية- فغضب النبي عليه الصلاة والسلام غضبًا شديدًا وخطب الناس وقال: أما بعد: فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا مالكم وهذه هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته؟! والله لا يأخذ أحدٌ منكم شيئًا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلا أعرفن أحدًا منكم لقي الله عز وجل يحمل بعيرًا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاةً تيعر، ثم رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه يقول: اللهم هل بلغت؟) .
وفي رواية: (فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا) أي: يقول: لو لم تكن موظفًا عندنا وكنت في بيت أبيك وأمك هل كانت تأتيك الهدية؟ لو كنت صادقًا اقعد في بيت أبيك وأمك وانتظر الهدية.
إذًا: كل هدية تأتي للموظف بسبب وظيفته حرامٌ عليه أخذها؛ لأنها رشوة، وهذه مسألة صريحة لا تحتاج إلى نقاش، ويقع بسبب قبول الموظفين في الأماكن العامة للهدايا من المراجعين والناس فسادٌ عظيم.
وعن سليمان بن يسار: (أن رسول صلى الله عليه وسلم كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر فيخرص بينه وبين يهود خيبر) هذا موظف النبي عليه الصلاة والسلام أرسله إلى يهود خيبر لأجل الخرص؛ لأن بينهم صُلح ولا بد أن يؤدوا أشياء معينة ونسبة معينة، قال: (فجمعوا له حليًا من حلي نسائهم -اليهود- فقالوا: هذا لك، وخفف عنا وتجاوز القسط) رشوة واضحة من إخوان القردة والخنازير، خذ هدية وخفف عنا (فقال عبد الله بن رواحة: يا معشر اليهود! والله لأنكم من أبغض خلق الله إليّ وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم) يقول: أنتم أبغض خلق الله إليّ وربما ما فعلتموه الآن معي يزيدني عليكم حنقًا وبغضًا، لكن مع ذلك لن أجور عليكم في القسمة (فأما ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت وإنا لا نأكلها، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض) .
وقال ابن تيمية رحمه الله: وما أخذ ولاة الأمور وغيرهم من مال المسلمين بغير حق، فلولي الأمر العادل استخراجه منهم، كالهدايا التي يأخذونها بسبب العمل، قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: (هدايا العمال غلول) أي: خيانة.
الخلاصة: لا يجوز للموظف أخذ الهدية من الناس مطلقًا، إلا إذا كانت هدية لا علاقة لها بالوظيفة أبدًا، مثل هدية شخصية، أبوه أهداه هدية، أو أخوه، لا علاقة له بأنه موظف أو غير موظف، فهنا في هذه الحالة يأخذها، لكن أن يأخذ من عامة الناس ومن المراجعين فهذا حرام وسحت ولا يجوز.
وقد تكون الهدية بأشكال كثيرة، كأن يقول صاحب ورشة لشخص: هات أصلح لك السيارة، هات نراعك فيها، هات نعطك أثاثًا بنصف السعر، فهذا كله سحت، حرام سواءً كان بشيءٍ مادي، أو خصم، أو خدمة مثل إصلاح سيارة أو تأجيرها، أو أشياء مجانية، لشخصه هو فهي حرام، ولا يجوز للآخر أن يدفعها، وإعطاء الهدية للموظف في الجوازات أو الشرطي أو لشخص في المرور حرام مطلقًا، وذكرنا استثناء في موضوع دفع الظلم عن نفسه وهي قضية أخرى.