رابعًا: والسنة أن يقضي حاجته جالسًا وألا يقضيها واقفًا، وأما البول فإن الأصل في فعله عليه الصلاة والسلام والأكثر والأشهر هو أنه كان عليه الصلاة والسلام يقعد عند قضاء حاجته، وأما بالنسبة للوقوف عند البول فإن هناك بعض الأحاديث والآثار التي وردت فيه، أما بالنسبة لنهي صريح مرفوع عن البول قائمًا فلا دليل له، وقد جاء عن ابن مسعود: [من الجفاء أن تبول وأنت قائم] وكان سعد بن إبراهيم من السلف لا يجيز شهادة من بال قائمًا، وحديث عائشة: (من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا) .
قال الترمذي: هذا أصح شيء في الباب.
وقد رويت الرخصة في البول قائمًا عن عمر وعلي وابن عمر وزيد وسهل بن سعد وأنس وأبي هريرة وعروة، وروى حذيفة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائمًا) رواه البخاري.
أتى سباطة قوم، أي: موضع رمي القمامة.
ولعل النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لتبيين الجواز، ولم يفعله إلا مرة واحدة، ويحتمل أن يكون في موضع لم يتمكن من الجلوس فيه، وقيل: فعل ذلك لعلة كانت بمأبضه؛ والمأبض: باطن الركبة من كل حيوان، فكان هناك جرح أو علة فما استطاع أن ينثني فبال قائمًا، ولكن هذا الحديث الذي أشاروا إليه في قضية المأبض حديث ضعيف ليس بصحيح، فقد رواه الخطابي في معالم السنن، والحاكم والبيهقي، ولكن هناك من هو أعلى من الخطابي، لأن كتاب المعالم للخطابي من الشروح، وقد أورد فيه سنده ولكن عند العزو يعزى إلى مثل: الحاكم والبيهقي، وفي هذا الحديث رجل يقال له: حماد؛ وهو ضعيف، والحديث قد ضعفه الدارقطني والبيهقي وأقر ذلك ابن حجر.
أما رواية ابن مسعود: [من الجفاء أن تبول قائمًا] فإن الترمذي قد رواه في سننه، وعلقه أحمد شاكر فقال: وهذا الأثر معلق بدون إسناد، وقال المباركفوري: لم أقف على من وصفه، وقد تتبع الشيخ: ناصر الدين الألباني في إرواء الغليل طرقه وجمعها، فقال في رواية ابن مسعود: [أربع من الجفاء: أن يبول الرجل قائمًا، وصلاة الرجل والناس يمرون بين يديه وليس بين يديه شيء يستره، ومسح الرجل التراب عن وجهه وهو في صلاته، وأن يسمع المؤذن فلا يجيبه في قوله] يقول الألباني: هذا صحيح عن ابن مسعود موقوفًا، وقد رواه ابن أبي شيبة، وأما مرفوعًا: [ثلاث من الجفاء] فإن هذا الحديث ضعيف ومنكر، ولا يثبت مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
إذًا: قال بعضهم: إن العلة في بوله عليه الصلاة والسلام قائمًا -ما دام أنه قد ثبت في البخاري أنه بال مرةً قائمًا- لعدم التمكن من البول، وقيل: ليبين الجواز.
ولا شك أن العلة ما دامت أنها لم تثبت فبقي أنه يريد أن يبين الجواز، أو لم يتمكن من الجلوس في موضع القمامة.
الخلاصة: لا بأس عند الحاجة أن يبول الشخص قائمًا بشرط: أن يأمن عود رشاش البول عليه، وأن يأمن تلويث ملابسه، فإذا أمن تلويث الملابس والجسم فلا بأس أن يبول قائمًا، لكن الأفضل البول قاعدًا، لماذا؟ أولًا: لأنه أستر.
ثانيًا: لأنه آمن من ارتداد رشاش البول عليه وتلويث بدنه وثيابه.
فلذلك الأفضل البول قاعدًا.