فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 657

نتيجة للعوامل السابقة الموجودة في المدينة المنورة، والتي كانت تسبب خطرًا كبيرًا على زعماء مكة، إلا أن المسلمين كلهم تسربوا من بين أيديهم، ولم يبق إلا الرسول صلى الله عليه وسلم واثنين من أصحابه هما: أبو بكر وعلي رضي الله عنهما، وإذا هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه فكل المشاكل التي يخافونها ستقع، لكن من المؤكد أنه لا خطورة على مكة والرسول صلى الله عليه وسلم مازال فيها؛ لأنه من المؤكد أن المهاجرين والمؤمنين من الأوس والخزرج سوف ينتظرون قدوم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة؛ من أجل أن يضمنوا سلامته من ناحية، ومن ناحية أخرى ليأخذ القرار بالهجوم على مكة، فلو استطاع المشركون أن يسيطروا على الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن خطر يثرب سيقل، لكن كيف يسيطرون على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقبيلة بني هاشم قبيلة كبيرة وعزيزة، ومن الصعب أن يدخلوا معها في حرب أو صراع، فقرر زعماء مكة نتيجة لهذه الحيرة أن يعقدوا اجتماعًا طارئًا، ليجدوا حلًا.

في يوم الخميس (26) صفر من السنة الرابعة عشرة من البعثة عقد الاجتماع، وكان أخطر اجتماع في تاريخ دار الندوة، حضره ممثلون عن كل القبائل القرشية، ما عدا قبيلة بني هاشم؛ مثل أبو جهل بن هشام عن قبيلة بني مخزوم، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأبو سفيان بن حرب كلهم عن قبيلة بني عبد شمس، والنضر بن الحارث عن بني عبد الدار، وأمية بن خلف عن بني جمح وغيرهم كثير، ولم يسمح لأي قبيلة غير قريش أن تدخل دار الندوة.

وبمناسبة دخول هؤلاء دار الندوة لا يوجد دليل صحيح على قصة إبليس الذي تمثل بصورة الشيخ النجدي وحضر معهم الاجتماع؛ فإن شياطين الإنس في مكة لم يكونوا بحاجة إلى شياطين الجن.

بدأ الاجتماع الخطير، ووضعوا المشكلة التي اجتمعوا من أجلها، وبدءوا بالنظر في آراء الحضور، فالطائفة المعتدلة من زعماء مكة كانوا يرون أن حبس الرسول صلى الله عليه وسلم كافيًا، لكن اليمين المكي المتطرف كان رأيه مخالفًا لهذا الرأي، قال أحدهم -ولعله أبو جهل: لابد من قتل هذا الرجل، وفي الحقيقة أن هذه الفكرة كانت تعجبهم، ولكن لم يكن عند أحد الجرأة أن ينطق بها؛ لأن بني هاشم قبيلة قوية، ومن الذي سيضحي بنفسه وقبيلته ويقف أمام بني هاشم، لكنّ أبا جهل خرج عليهم بفكرة شيطانية، وهي: أن يختاروا من كل قبيلة في مكة شابًا قويًا، فيحاصرون بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه بين القبائل، فلا تجد بنو هاشم أمامها إلا قبول الدية؛ لأنهم لن يستطيعوا أن يحاربوا كل القبائل، ثم خرجوا بالموافقة على هذا، قال الله عز وجل في كتابه الكريم يصف هذا الحدث: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ} [الأنفال:30] ، (يثبتوك) أي: يقيدوك أو يحبسوك، {أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:30] .

هذه الأفكار التي ظهرت في دار الندوة، وهذه التدبيرات كلها تقع تحت كلمة: (( وَيَمْكُرُونَ ) ).

وفي الجزء المقابل: (( وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت