أول ما دخل صلى الله عليه وسلم الكعبة المكرمة أمر بتكسير الأصنام التي حولها داخلها، فقد كان حول الكعبة (360) صنمًا غير هبل أعظم آلهتهم، فالرسول عليه الصلاة والسلام أمر الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين بتكسير كل هذه الأصنام وشاركهم في ذلك.
وهذا الأمر كان بعد صبر دام (21) سنة كاملة، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة مدة (13) سنة متتالية.
أي: الفترة المكية، ولم يفكر مرة واحدة في كسر صنم واحد، وطاف في عمرة القضاء قبل الفتح بعام واحد ولم يفكر لحظة واحدة في كسر صنم واحد من هذه الأصنام، وهذه المفارقة وهذه المقارنة بين الموقفين تحتاج منا إلى وقفة.
بعد صبر (21) سنة الآن لا يصبر عليه الصلاة والسلام لحظة واحدة، فهو لم يقم الصلاة ولم يكلم الناس ولم يعمل أي شيء قبل أن يكسر الأصنام ويأمر بذلك.
عندما نأتي لندرس سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام لابد أن نأخذ اهتمامًا خاصًا بالأعمال التي قام بها صلى الله عليه وسلم، بمعنى أنه إذا بدأ بشيء ما فهذا الأمر مقصود، فكل خطوة من خطواته صلى الله عليه وسلم متابعة بالوحي، وفيها رعاية كاملة من رب العالمين سبحانه وتعالى، وهي تشريع للمسلمين، فالرسول عليه الصلاة والسلام يوم الفتح لا يصبر دقائق على وجود صنم يعبد من دون الله عز وجل، هذا ما أسميه بـ: فقه الموازنات، وفقه الواقع، وفقه دفع أكبر الضررين، وجلب أكبر المنفعتين، لو كان الرسول عليه الصلاة والسلام كسر هذه الأصنام في فترة مكة المكرمة لقامت الدنيا ولم تقعد، ولاستئصل المسلمون بكاملهم من مكة المكرمة.
أما الآن وبعد أن صار صلى الله عليه وسلم حاكمًا لمكة المكرمة، بل ولأجزاء كبيرة جدًا من الجزيرة العربية، وصار في هذه القوة فإنه لا يصبر على وجود مثل هذا المنكر الشنيع من صنم يعبد من دون الله عز وجل، فكسر كل الأصنام، وكسرها وهو يقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا) .
بالإضافة إلى كونه لا يرضى عن وجود هذا المنكر، فتكسيره للأصنام كان خطوة سياسية في منتهى الروعة؛ لأن هذه الخطوة كسرت تمامًا كل معنويات أهل مكة، وهذه الأصنام ظلت تعبد من دون الله لا أقول عشرات السنين بل مئات السنين في داخل مكة المكرمة، أجيال وراءها أجيال تعبد هذه الأصنام، فهاهي الآن تكسر هذه الأصنام، وكل مشرك كان يعتقد في داخله أن هذه الأصنام ستصيبه صلى الله عليه وسلم وأصحابه بضرر أو بسوء؛ لأنهم فعلوا معها ذلك، ومع ذلك لم يحدث له شيء، وكذلك الجيش الإسلامي بكامله لم يحدث له شيء، فظهرت الحقيقة واضحة أمام أعين المشركين من أنهم كانوا في ضلال مبين كل هذه السنوات السابقة.
إذًا: هذه خطوة رائعة وهامة جدًا لكسر معنويات كفار قريش، فبعد هذا التكسير لهذه الأصنام خارت قواهم تمامًا وفقدوا كل أمل في المقاومة، والرسول عليه الصلاة والسلام لم يكتف بتكسير الأصنام في مكة المكرمة، بل حرص صلى الله عليه وسلم على تكسير الأصنام في كل المناطق المحيطة بمكة المكرمة، فأرسل صلى الله عليه وسلم سرية بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه لكسر العزى، وهي من أكبر الآلهة التي كانت تعبد من دون الله عز وجل، فذهب خالد بسرية وكسر هذا الصنم الضخم صنم العزى.
وأرسل سرية بقيادة سعيد بن زيد رضي الله عنه وأرضاه لكسر صنم مناة وهو من أشهر أصنام العرب.
وأرسل سرية بقيادة عمرو بن العاص لهدم صنم سواع، وصنم سواع من الأصنام المشهورة عند العرب أيضًا.
إذًا: الرسول عليه الصلاة والسلام بنفسه كسر هبل في صحن الكعبة، وأرسل خالد بن الوليد لكسر العزى، وسعيد بن زيد لكسر مناة، وعمرو بن العاص لكسر سواع، لكن بقي صنم مشهور جدًا من أصنام العرب وهو صنم اللات، وصنم اللات هذا كان موجودًا في مدينة الطائف عند قبيلة ثقيف، وهو من أعظم الأصنام عند العرب، ولم يكسر إلا بعد إسلام ثقيف في السنة التاسعة من الهجرة.
لقد كسر الرسول عليه الصلاة والسلام كل الأصنام الكبرى التي استطاع أن يكسرها في ذلك الوقت، سواء في داخل مكة أو في المناطق التي حول مكة.
وبذلك كما ذكرنا سقطت كل معنويات قريش، وحطم تمامًا كل أمل عندهم للمقاومة.
إذًا: هذه كانت أول خطوة عملها الرسول صلى الله عليه وسلم: تكسير الأصنام في الكعبة وما حولها.