لما وصلت رسالة المنافقين إلى أهل خيبر بخروج الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم واستعد أهل خيبر، ولم يكتفوا بالاستعداد والتحصن، بل أرسلوا أحد زعماء اليهود واسمه كنانة بن أبي الحقيق، وهو أخو سلام بن أبي الحقيق الذي قتل قبل عدة أشهر على أيدي المسلمين، أرسلوا كنانة بن أبي الحقيق إلى قبائل غطفان المرتزقة وعرضوا عليهم المال؛ لكي يساعدوهم ويعاونوهم في حرب المسلمين، وعرضوا عليهم نصف ثمار خيبر، وبالفعل بدأت قبائل غطفان في التجهز للخروج في اتجاه خيبر وأعدوا جيشًا كبيرًا جدًا لهذا الأمر، وبفضل الله اكتشفت مخابرات الرسول صلى الله عليه وسلم هذا التحرك لغطفان، وبسرعة أخذ الرسول عليه الصلاة والسلام عدة قرارات لكي يؤمن عملية اجتياح خيبر: أولًا: أخرج صلى الله عليه وسلم سرية بقيادة أبان بن سعيد رضي الله عنه باتجاه أعراب نجد حول المدينة؛ لكي يثير الرعب في هذه المنطقة فلا تجرؤ غطفان ولا غير غطفان على مهاجمة المدينة المنورة؛ لأنها خالية تقريبًا من الرجال في ذلك الوقت.
إذًا: أول شيء: أنه قام بتأمين المدينة المنورة.
ثانيًا: أرسل سرية إلى ديار غطفان، فالمسلمون متجهون إلى الشمال باتجاه خيبر، والرسول صلى الله عليه وسلم أرسل سرية إلى الشمال الشرقي إلى ديار غطفان؛ لكي يوهم جيش غطفان أنه سيغزو ديارهم لا ديار اليهود، وأمر هذه السرية أن تظهر أمرها ولا تتخفى، وتحدث لغطًا وصوتًا عاليًا، لكي يلفت أنظار جيش غطفان فيعود مرة ثانية إلى دياره، ولا يشترك مع أهل خيبر في الدفاع عن حصون خيبر، وفعلًا هذا الذي حصل، فجيش غطفان لما سمع الصوت رجع سريعًا عائدًا إلى قبائله وإلى دياره، وترك يهود خيبر يواجهون الرسول عليه الصلاة والسلام منفردين.
ثالثًا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم غير اتجاهه، حيث أخذ بعض الأدلة لتدله على طريق آخر ليدخل خيبر من شمالها وليس من جنوبها، والمدينة المنورة في جنوب خيبر، وبدلًا من أن يدخل من الجنوب دخل من الشمال، ويكون بذلك حقق شيئين، وضرب عصفورين بحجر: أولًا: سيحول بين غطفان وبين خيبر بجيشه، فجيشه سيفصل بين قبائل غطفان وبين مدينة خيبر.
ثانيًا: سيمنع اليهود من الفرار إلى الشام، فيحصر اليهود في منطقة خيبر، وسيكون الطريق إلى الشمال مغلقًا بالجيش الإسلامي.
وهذا تخطيط عسكري على أحسن مستوى.