إذا كان هذا التحليل ينطبق على السبع المعارك الأولى، فالمعركة الأخيرة التي كانت سرية نخلة، تحتاج إلى وقفة خاصة.
هذه السرية خرجت من المدينة المنورة في شهر رجب سنة اثنين هجرية؛ لاعتراض قافلة لقريش ستمر بمنطقة نخلة، ونخلة منطقة تقع بين مكة والطائف، ولهذه السرية مشكلتان كبيرتان، المشكلة الأولى في المكان والمشكلة الثانية في الزمان.
أما مشكلة المكان: فهي أن منطقة نخلة تقع على بعد حوالي أربعمائة وثمانين كيلو مترًا من المدينة المنورة، فهي مسافة طويلة جدًا خاصة أن السرية عدد الخارجين فيها اثنا عشر مقاتلًا فقط، أمرها خطير جدًا جدًا، وفي نفس الوقت نخلة قريبة جدًا من مكة، فلو علم المشركون بأمر هذه السرية، فإن قتال هذه السرية سيكون أمرًا ميسورًا على جيش مكة.
من أجل هذا كان من المتوقع أن المسلمين يترددون في أمر الخروج في هذه السرية؛ لذلك اختار الرسول عليه السلام طريقة فريدة جدًا لإخراج هذه السرية، لم يكرر هذه الطريقة مع سرايا أخرى.
هذه الطريقة: أنه كتب تكليف هذه السرية في كتاب مغلق، وأعطاه لقائد السرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه، وأمره أن يسير بهذا الكتاب المغلق مدة يومين، وبعد يومين يفتح الكتاب ويقرؤه، وبعد أن فتح عبد الله بن جحش الكتاب وجد فيه: (إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها عير قريش، وتعلم لنا من أخبارهم) وأمره صلى الله عليه وسلم ألا يكره من معه على الخروج إلى هناك، أي: كل واحد يخرج بإرادته الكاملة، وهنا قام عبد الله بن جحش رضي الله عنه وقال لأصحابه: من أحب الشهادة فلينهض، ومن كره الموت فليرجع، وأما أنا فناهض، فنهضوا جميعًا معه واتجهوا إلى منطقة نخلة.
والذي جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يعمل هذا التوجيه الفريد لهذه السرية هو صعوبة المهمة وبعد المسافة، فلو أنه أمر الصحابة أمرًا مباشرًا في المدينة بالخروج إلى هذه المسافة البعيدة قد يتردد البعض في التكليف، لكن إذا أتاهم التكليف بعد قطع مسيرة يومين -خمس الطريق تقريبًا- فإنهم سيكونون على الاتجاه ولن يترددوا إن شاء الله، ومع ذلك لم يرد صلى الله عليه وسلم أن يفرض عليهم هذا الأمر الشاق فرضًا، بل ترك لهم حرية الاختيار، وهو يعرف درجة إيمانهم، وثيق ثقة كاملة في أنهم سيكملون المهمة ويصلون إلى نخلة، وهذا الذي حصل بالفعل.
هذه كانت مشكلة المكان.
أما مشكلة الزمان فكانت أصعب، فهذا الخروج كان في شهر رجب، ورجب كما تعرفون من الأشهر الحرم، والعرب بكاملهم سواء كانوا من المسلمين أو من الكافرين يحرمون القتال في الأشهر الحرم.
وكثير من الفقهاء يقولون: إن هذا الحكم نسخ، لكن في ذلك الوقت هذا الحكم لم يكن منسوخًا، فالقتال في الشهر الحرام حرام على المسلمين وعلى الكافرين، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر الصحابة بالقتال لا تصريحًا ولا تلميحًا.
قال لهم: (فترصد بها عير قريش، وتعلم لنا من أخبارهم) فقط.
وصل الصحابة بالفعل إلى منطقة نخلة، ووجدوا القافلة التي ذكرها صلى الله عليه وسلم، لكنهم وصلوا في آخر ليلة من ليالي الشهر الحرام رجب، والقافلة متجهة إلى مكة، وبعد ليلة واحدة ستكون داخل مكة، فلو تركوا القافلة حتى تنتهي ليالي شهر رجب ستدخل القافلة حرم مكة، والقتال في مكة حرام كذلك، وستفلت القافلة، وهذه القافلة كانت فرصة كبيرة للمسلمين.
أولا: ستكون أول ضربة لقريش؛ لأن كل الغزوات والسرايا لم تسفر حقيقة عن أي غنائم أو انتصارات.
ثانيًا: هذه الضربة في عمق الجزيرة العربية بعيدًا جدًا عن عقر دار المسلمين، وقريبًا جدًا من عقر دار الكافرين، فهي تحمل جرأة لا تخفى على أحد، ومن المؤكد أنه يكون لها أثر سلبي ضخم على المشركين.
ثالثًا: لم يكن في القافلة إلا أربعة رجال فقط، فالحراسة ضعيفة، والمسلمون كانوا عشرة، كان عددهم قبل ذلك اثني عشر رجلًا، لكن اثنين منهم سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان رضي الله عنهما ضل لهما بعير قبل وصولهم إلى نخلة، فذهبا للبحث عنه فوجد الصحابة القافلة تمر، والصحابة في هذا الوقت عشرة، والقافلة فيها أربعة، إذًا: فرصة القتال ممكنة.
ثالثًا: المسلمون في هذه السرية من المهاجرين، وقد أوذوا إيذاءً مباشرًا من قريش، فقائد هذه السرية عبد الله بن جحش كان أبو سفيان بن حرب قد استولى على داره وباعها وأكل ثمنها، فالمهاجرون يشعرون من داخلهم بأذى شديد تلقوه من قريش، فهذه فرصة أن القافلة أمامهم.
لكن في نفس الوقت كانت هذه السرية في آخر ليلة في الشهر الحرام رجب، والقتال فيه ممنوع فهل يتقيد الصحابة بالقوانين التي انتهكها عدوهم آلاف المرات، ويضيعون فرصة السيطرة على القافلة، أم يرمون بالقانون عرض الحائط ويهجمون على القافلة؟ هل يرفع الصحابة الظلم الذي وقع عليهم منذ سنين، وقد جاءت فرصة قد لا تتكرر بسهولة، أم يتركون هذه الفرصة الثمينة؟ هل يراعي المسلمون الآن ا