فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 657

اتخذ أهل الباطل وسيلة أخرى من وسائل الباطل في حرب الإسلام: إنها حرب نفسية شنها أهل الباطل في مكة على المسلمين؛ حتى لا يشعروا براحة، مثل: الضغوط النفسية من الأهل والأقارب.

نحن نعرف أن معظم المؤمنين من الشباب، لذا اجتمع أهل الكفر وأعلنوا في مكة أنه على كل أب وأم وشيخ قبيلة أن يتصرف مع أبنائه، فنحن نعمل ذلك من أجل مصلحة الابن الذي خرج عن دين الآباء، وكذلك من أجل مصلحة الأب حتى يظل محافظًا على مكانه في مكة، مع العلم أن لهجة أهل السلطان في مكة كانت تحمل تهديدًا خفيًا أو صريحًا، مثل ما حصل مع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه، فقد كان يحمل مهمة إبعاده عن دين الله عز وجل أمه، فقد حاولت بكل طرق الترغيب والترهيب أن تمنع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن الإيمان، لكنها فشلت ولم تستطع رده عن الإسلام، حتى إنها لجأت إلى الإضراب عن الطعام والشراب، قالت: لن آكل ولن أشرب حتى ترجع عن الإسلام، ضغط نفسي رهيب على شاب عمره (20) سنة، لكن الله ثبت سعدًا رضي الله عنه، ووقف أمامها وقد أشرفت على الهلاك يقول لها في يقين: تعلمين والله يا أماه! لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركت ديني هذا لشيء، فكلي إن شئت أو لا تأكلي! إصرار شديد، استحالة أن يغير هذا الدين مهما كانت الأثمان، ومهما كانت العواقب، فأكلت الأم وبقي سعد رضي الله عنه وأرضاه مسلمًا، لكن الأمر كان شديدًا ولا شك على نفس الشاب الصغير.

كذلك الضغط النفسي أيضًا مارسته أم مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه، كان مصعب أنعم فتيان قريش، كانت أمه غنية، وكانت توفر له كل أسباب الرفاهية، كانت تحضر له العطر من الشام والملابس من اليمن، فلما آمن منعت عنه ذلك، بل طردته من البيت ومنعت عنه كل الأموال، لكنه وإن كان قد تعود على حياة الترف والرفاهية لم يتغير، تقشر جلده مثل جلد الحية؛ لأنه كان معتادًا على حياة الترف والرفاهية، كان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم إذا رأه بكوا لحاله وهو غير مبال، ثبت على الإسلام الذي غير تمامًا من شخصية مصعب رضي الله عنه.

كذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه كان عمه يلف حوله الحصير، وبعد ذلك يشعله تحته حتى يكاد يختنق، لكنه أيضًا لم يرجع عن الدين.

وكان أبو جهل لعنه الله قياديًا كبيرًا في مكة، وكان له تأثير على بيوت كثيرة فيها، كان يمر بنفسه على أهل مكة يهدد ويخوف، ولما يعلم بإسلام أحد يذهب لأهله، ويتوعد أهله بالخسارة الفادحة في المال والجاه والمكانة، كان يطرد من الأعمال من شك في إسلامه، كان يضغط على كبراء مكة ليضيقوا اقتصاديًا على المسلمين، ومن لم تقنعه الكلمات قد يقتنع بالجوع.

حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسلم من هذه الضغوط النفسية، فـ أبو لهب لعنه الله كان قد زوج ولديه عتبة وعتيبة من بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم السيدة رقية والسيدة أم كلثوم فلما أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الدعوة، أمر ولديه أن يطلقا بنتي الرسول صلى الله عليه وسلم، وبالفعل طلقا البنتين، وهذا هم ثقيل، ولا شك أن فكر الرسول صلى الله عليه وسلم سوف ينشغل بهذه القضية ولو بدرجة ما.

ثم صورته في مكة يصبح شكلها مختلفًا، فعمه لا يريد أن يزوج ولديه ببنتي الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم وصل الأمر إلى أن زوجة أبي لهب أم جميل أروى بنت حرب -وكانت امرأة شديدة السوء- كانت تحمل الشوك وتضعه أمام بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم! تعدى الأمر من إيذاء الرجال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إيذاء النساء، هذا شيء في منتهى المشقة على نفسية أي رجل، بل خرجت هذه المرأة ذات مرة لتضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمسكت بيدها فهرًا من الحجارة، -يعني: ملء الكف من الحجارة- وجاءت لترجم الرسول صلى الله عليه وسلم وهو جالس بجانب الصديق رضي الله عنه في البيت الحرام فلما جاءت إليهما أخذ الله عز وجل ببصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: أين صاحبك قد بلغني أنه يهجوني؟ وذلك في الآية الكريمة: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} [المسد:1 - 5] ، فـ أم جميل بنت حرب قالت: والله لو وجدته لرجمته بهذا الفهر! وهذا الإيذاء لم يكن فقط في الشارع أو في البيت الحرام، لا، بل كانوا يتطاولون على رسول الله حتى وهو في بيته، فقد كان إذا صلى في فناء بيته ألقوا عليه رحم الشاة من فوق السور حتى يصيبه هذا الأذى؛ لذا كان يصلي وراء حجر يستتر به من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت