فإن قيل كلهم - مهما تعددت أقوالهم وتباينت وتغايرت - قد أصابوا مراد الشارع؛ لأنهم صحابة، والصحابة لا يخطئون .. !
أقول: هذه العصمة ما زعمها الصحابة - حاشاهم - لأنفسهم، ولا زعمها لهم أحد من أهل العلم المعتبرين، وهو قول لا يصح عقلًا ولا شرعًا.
ومنها، إذا كان لكل امرئٍ أن يختار من يشاء من الصحابة، ويتمذهب بمذهبه، والصحابة يتجاوز تعدادهم الآلاف، فأين هذا الذي يختار محمدًا صلى الله عليه وسلم ويختار سنته، ثم لماذا هذا التغييب المتعمد لذكر النبي صلى الله عليه وسلم وذكر سنته، وما يجب له على أمته من طاعة وانقياد واتباع .. ؟!
أم أن النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله من الغموض والعسر ما يجعل الناس من الصعب عليهم أن يختاروه ويتبعوه .. ؟!
أهكذا يكون التأصيل العلمي يا دكتور، وهكذا تكون الطريقة المثلى في تعليم الناس - عبر الأثير - شؤون دينهم، وحب نبيهم صلى الله عليه وسلم .. ؟!
ومنها، لا يجوز أن يقدم قول الصحابة مهما على قدره وشأنه على قول النبي صلى الله عليه وسلم، أو يُقدم بين يديه بقول أو فهم أو رأي، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم. يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعضٍ أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} الحجرات:2 - 1.
وهذا خطاب يشمل الصحابة رضي الله عنهم، وجميع المؤمنين من بعدهم وإلى يوم القيامة، قال ابن القيم في الأعلام 1/ 51: فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببًا لحبوط أعمالهم، فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه، أليس هذا أولى أن يكون محبطًا لأعمالهم ا-هـ.
وقال تعالى: {فليحذر الذين يُخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم} النور:63.
قال الإمام أحمد رحمه الله: الفتنة هي الشرك، لعله إذا ردَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ قلبه فيهلكه، وجعل يتلو هذه الآية: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} .
وقيل له: إن قومًا يدعون الحديث ويذهبون إلى رأي سفيان، فقال: أعجب لقومٍ سمعوا الحديث وعرفوا الإسناد وصحته ويدعونه ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره، قال الله: {فليحذر الذين يُخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} أتدري ما الفتنة؟ الكفر، قال الله تعالى: {والفتنة أكبر من القتل} فيدعون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتغلبهم أهواؤهم إلى الرأي [1] .
(1) عن الصارم المسلول لابن تيمية:56.