فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 137

أقول: عند الحديث عن هذا الموضوع الهام، لا بد من التفريق بين المجتمع المسلم الذي تخضع جميع مؤسساته ومناحي الحياة فيه إلى حكم الإسلام وقانونه، وبين المجتمع الذي يخضع لحكم الطاغوت وقوانينه الكفرية .. وهذا التفريق هام وضروري لمن أراد ضبط المسألة وبيان وجهة الحق فيها.

أولًا: إفراز ومعرفة أهل الحل والعقد في ظل المجتمع المسلم الذي يُحكم بالإسلام وشرائعه.

ويتم ذلك من خلال تحديد المعايير والصفات التي تعين على إفراز أهل الحل والعقد إلى حيث الوجود؛ من هذه المعايير اعتبار ومراعاة تاريخ الرجل الجهادي، فمن كان له سابقة جهاد وابتلاء في نصرة هذا الدين يُقدم على من لا جهاد له، ولم يكن له سابقة ابتلاء في سبيل إعلاء كلمة هذا الدين.

وهذا أمر قد دلت عليه السنة، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يخص أهل بدر بأمورٍ لم يخص غيرهم بها، كما في الحديث الصحيح:"إن الله تعالى اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". وقال صلى الله عليه وسلم:"لن يدخل النار رجل شهد بدرًا والحديبية"مسلم. وكان أهل بدر يُميزون بالمشورة وغيرها حتى في عهد الخلفاء الراشدين ..

ومنها، مراعاة الأقدمية في الدخول ونصرة هذا الدين، فالأقدم يُقدم في الشورى على من كان حديث عهد بهذا الدين، وهذا مقرر في الشريعة، كما قال تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجةً من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلًا وعد اللهُ الحسنى والله بما تعملون خبير} الحديد:10.

وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مٍثل أحدٍ ذهبًا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه".

وذلك أن عبد الرحمن بن عوف كان من السباقين في الدخول في هذا الدين، الذين شهدوا المشاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم كبدر، وبيعة الرضوان تحت الشجرة وغير ذلك، وهؤلاء أخص بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم وافضل ممن أسلم بعد الحديبية أو فتح مكة، ولم يشهد ما شهده الأوائل من تضحيات ومواقف بطولية مع النبي صلى الله عليه وسلم، وفي نصرة هذا الدين فاتت من أسلم بعدهم أو تأخر إسلامه.

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يراعي هذا المبدأ في التعامل والاصتفاء حتى مع شخصي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، على عظم فضلهما وتقارب منزلتهما في الإسلام، كما في الحديث الذي أخرجه البخاري عن أبي الدرداء قال:"كنت جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أقبل أبو بكرٍ آخذًا بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبتيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما صاحبكم فقد غامر - أي دخل في غمرة الخصومة - فسلَّم، وقال: إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي، فأقبلت إليك، فقال صلى الله عليه وسلم: يغفر الله لك يا أبا بكرٍ ثلاثًا، ثم أن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكرٍ فسأل أثَمَّ هو؟ فقالوا: لا، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعَّر حتى أشفق أبو بكر - أي أشفق على عمر لما رأى من غضب النبي صلى الله عليه وسلم عليه، فجثا - أي أبو بكر - على ركبتيه، فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلَمُ مرتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله بعثني إليكم، فقلتم كذبت"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت