فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 29323 من 72678

6 ـ أنه مما يتبع هذه المسألة أنه قد اشتهر بعض هؤلاء الأعلام في التفسير إما رواية وإما دراية، ويجب أن لا ينجرَّ الحكم عليه في مجال الرواية إلى مجال الدراية، بل التفريق بين الحالين هو الصواب، فتضعيف مفسر من جهة الرواية لا يعني تضعيفه من جهة الرأي والدراية، لذا يبقى لهم حكم المفسرين المعتبرين، ويحاكم قولهم من جهة المعنى، فإن كان فيه خطأ رُدَّ، وإن كان صوابًا قُبِلَ.

إذا تأمَّلت هذه المسألة تأمُّلًا عقليًّا، فإنَّه سيظهر لك أنَّ الرأي لا يوصف بالكذب إنما يوصف بالخطأ، فأنت تناقش قول فلان من جهة صحته وخطئه في المعنى، لا من جهة كونه كاذبًا أو صادقًا؛ لأن ذلك ليس مقامه، وهذا يعني أنَّك لا ترفضُ هذه الآراء من جهة كون قائلها كذابًا في الرواية، إنما من جهة خطئها في التأويلِ.

وهذا يعني أنَّ الحكم على الكلبيِّ (ت: 146) ، ومقاتل بن سليمان (ت: 150) بالكذب من جهة الرواية، لا يعني أنَّك لا تأخذ بقولِهما الذي هو من اجتهادهما في التفسيرِ، بل إذا ظهرت عليه أمارات الصِّحةِ من جهة المعنى يُقبلُ، ولا يردُّ لكون صاحبه كذَّابًا. وكذا الحال في من وُصِفَ بالضَّعف في روايته؛ كعطيَّةَ العوفي (ت: 111) ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت: 182) ، وغيرهما.

وغياب هذه القضيةِ يوقعُ في أمرين:

الأول: طرحُ أراء هؤلاء المفسرين، وهم من أعلام مفسري السلف.

الثاني: الخطأ في الحكم على السندِ الذي يروى عنهم، فيُحكم عليه من خلال الحكم عليهم، وهم هنا ليسوا رواةً فيجرى عليهم الحكم، بل القول ينتهي إليهم، فأنت تبحث في توثيق من نقل عنهم، ومن الأمثلة التي وقع فيها بعض الباحثين الفضلاء:

قال ابن أبي حاتم: (حدثنا أبي، قال: حدثنا الحسن بن الربيع، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، ثنا محمد بن إسحاق، قوله: (الحي القيوم(] آل عمران: 2 [: القائم على مكانته الذي لا يزول، وعيسى لحم ودم، وقد قضى عليه بالموت، زال عنة مكانه الذي يحدث به) [تفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: حكمت بشير ياسين (ص: 27) ] .

ولما درس المحقق رجال الإسناد خرج بما يأتي:

الحسن بن الربيع ثقة، وعبد الله بن إدريس ثقة، ومحمد بن إسحاق صدوق، ثمَّ قال في نتيجة الحكم: (درجة الأثر: رجاله ثقات، إلا ابن إسحاق صدوق، فالإسناد حسنٌ) [تفسير ابن أبي حاتم، تحقيق: حكمت بشير ياسين (حاشية ص: 28) / وقد سار على تحسين هذا الإسناد في تحقيقه، ينظر مثلًا (ص: 71) ]

فجعل الإسناد حسنًا بسبب ابن إسحاق، وهذا الحكم فيه نظر، إذ الصحيح أن يُحكم على الإسناد بأنه صحيح؛ لأنَّ الذين نقلوه عن ابن إسحاق هم الذين يتعرَّضون للتعديل والتجريح، أما قائل القول، فلا يدخل في الحكم.

7 ـ إن من تشدد في نقد أسانيد التفسير، فإن النتيجة التي سيصل إليها أنَّ كثيرًا من روايات التفسير ضعيفة، فإذا اعتمد الصحيح واطَّرح الضعيف فإن الحصيلة أننا لا نجد للسلف إلا تفسيرًا قليلًا، وهم العمدة الذين يعتمدون في هذا الباب، فإذا كان ذلك كذلك فمن أين يؤخذ التفسير بعدهم؟!

لقد طرحت هذه المسألة على بعض من يرى أنه يجب التشدد أسانيد التفسير، وتنقية كتب التفسير من الضعيف والإسرائيليات، والخروج بتفسير صحيح الإسناد عن السلف يُحتكم إليه، فقلت له: أنت تعلم أنَّ اتباع هذا المنهج سيخرج كثيرًا من روايات التفسير، وأنه قد لا نجد في بعض الآيات تفسيرًا محكيًا عن السلف سوى ما طرحته، فمن أين ستأخذ التفسير؟

قال: نرجع للغة، لأن القرآن نزل بلغة العرب.

قلت له: فممن ستأخذ اللغة؟

قال من كتبها وأعلامها؛ من الخليل بن أحمد والفراء وأبي عبيدة وغيرهم.

فقلت له: أنت طالبت بصحة الإسناد في روايات التفسير، فلم لم تعمل بها في نقل هؤلاء وحكايتهم عن العرب، فأنا أطالبك بأن تصحح الإسناد في نقل هؤلاء أن معنى هذه اللفظة هو كذا عند العرب نقلًا صحيحًا متصلًا من الفراء وغيره إلى ذلك العربي الذي علَّمه ذلك.

فهل يا تُرى أن هذا المنهج صحيح؟

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت