إنَّ طبيعة العلوم تختلف، فإثبات السنة النبوية، وإلزام الناس بها ليس كإثبات اللغة، فاللغة تثبت بما لا يثبت به الحديث، وكذا الحال في التفسير، فإنه يثبت بما لا يثبت به الحديث، والاعتماد على هذه الروايات جزءٌ أصيل من منهجه لا ينفكُّ عنه، ومن اطَّرحها فقد مسخ علم التفسير.
8 ـ إن التفسير له مقاييس يعرف بها عدا مقاييس الجرح والتعديل، إذ التفسير يرتبط ببيان المعنى، وإدراك المعنى يحصل من غير جهة الحكم على الإسناد، لذا فإن عرض التفسير على مجموعة من الأصول تبين صحيحه من ضعيفة، كالنظر في السياق والنظر في اللغة، والنظر في عادات القرآن والنظر في السنة ... الخ
وقد أشار البيهقي إلى هذا الملحظ فقال: (وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم لأن ما فسروا به؛ ألفاظه تشهد لهم به لغات العرب، وإنما عملهم في ذلك الجمع والتقريب فقط) [دلائل النبوة للبيهقي (1: 37) ]
ومن قرأ في كتب التفسير ومارس تدريسه أدرك هذا المعنى، وإلا لرأيته يقف كثيرًا حتى يتبين له صحة هذه المرويات ليعتمد عليها، وفي هذه الحال أنَّى له أن يفسِّر.
9 ـ ومما يحسن ملاحظته هنا أنَّ التفسير المنقول بطرق فيها ضعف له فوائد، منها أن يكون المعنى الذي يحمله التفسير مما قد اشتهر بين السلف فيستفاد منه في حال الجدل مع المعارضين، خصوصًا إذا كان في مجال الاعتقاد؛ لذا ترى بعض العلماء ينص على أنَّ بعض المعاني الباطلة في التفسير المرتبطة بالمعتقد = لم تثبت لا بالطرق الصحيحة ولا الضعيفة.
10 ـ وأخيرًا، فإني أرى في هذه المسألة التي يطول فيها الجدل أن يُفرَّق بين الاعتماد التام على منهج أهل الحديث في نقد الروايات وبين الاستفادة منه، فالصحيح أن يُستفاد منه، ويأتي وجه الاستفادة منه في حالات معينة؛ كأن يكون في التفسير المروي غرابة أو نكارة وشذوذًا ظاهرًا.
ومن أمثلة ذلك ما تراه من فعل الإمام ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون) ] المائدة: 55 [حيث تتبع أسانيد المرويات ونقدها، لكنك تجده في مواطن أخرى يرويها ولا ينقدها، وما ذاك إلا لما في الخبر المنقول في هذه الآية من النكارة التي جعلته يتتبع الإسناد، أما في غيرها فالأمر محتمل من جهة المعنى وليس فيها ما ينكر فقبله، والله أعلم.
وهذا الموضوع له جوانب أخرى، وهو يحتاج إلى تأصيل وتمثيل، ولعل فيما طرحته غنية، وأسأل الله لي ولكم التوفيق والصواب في القول والعمل.
الدكتور مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض
تعليقات الشيخ عبد الله الجديع على مقال أسانيد التفسير للدكتور مساعد الطيار
بسم الله الرحمن الرحيم
ملاحظات على مقال منشور في موقع (ملتقى أهل التفسير) باسم الشيخ الفاضل مساعد الطيار ومعنون بـ (صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما) .
أقول أولًا وقد قرأت المقال:
صوَّر الشيخ الكريم النظر في أمر أسانيد التفسير ونقدها بين المعاصرين والسابقين، أن المعاصرين يتشددون، والسابقين لم يكونوا كذلك.
وأقول: إن عنى بالمعاصرين من اعتنى بعلم التفسير فهؤلاء فيما أعلم يستقون من جميع ما قيل قبلهم دون مراعاة للأسانيد أصلًا حتى في المرفوع في كثير من الأحيان. وإن عنى من تعرض لدراسة أسانيد التفسير فهذا ينقدها من جهة الأسانيد بحسب الصناعة الحديثية، دون التعرض غالبًا إلى شأن الاعتداد بها أو عدمه في فهم القرآن، كصنيع الشيخ المحقق أحمد شاكر في نقد أسانيد"تفسير الطبري"مثلًا، ومن إخواننا الشيخ العالم سعد الحميد في تعليقه على القطعة التي نشرها من"سنن سعيد"في التفسير، والشيخ الفاضل حكمت بشير، وغيرهم.
والصناعة الحديثية تأبى أن تجعل جويبرًا مثلًا ثقة، والضحاك عن ابن عباس متصلًا، هذا ما لا يصح في العلم بعد ثبوت ضده، وإنما أن يكون التسهيل في قبول تلك الأخبار واستعمالها فهذا باب آخر.
والواقع أن الجميع إذا جاء مقام التمحيص والاستدلال لا يقبل إلا ما يدل عليه عنده النظر الصحيح.
وهذه ملاحظات بدت لي حول مقال الشيخ الطيار وفقه الله:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)