ومن الأساليب العربية الشائعة: القسم. و مما يؤكد هذا الكتاب الذي ألفه أبو إسحاق النجيرمي وهو كتاب: (أيمان العرب في الجاهلية) وهو كتاب مطبوع.
ولما لهذا الأسلوب العربي من قوة، ولكون القرآن الكريم نزل بلغة العرب ألف العلماء المؤلفات التي تبرز هذا الأسلوب وتبينه أشد البيان.
وقد أدلى ابن القيم بدلوه في هذا المجال، فألف كتابه هذا الموسوم بـ (التبيان في أيمان القرآن) وحاز به قصب السبق؛ إذا لم يصل إلينا من الكتب في هذا الموضوع القرآني إلا هذا الكتاب.
ولعل أهمية هذا الكتاب تبرز من النواحي التالية:
أولًا / كونه الكتاب الوحيد ـ حسب اطلاعي وعلمي ـ الذي وصل إلينا في هذا الموضوع،وإن كان هناك من سبقه من المتقدمين في التأليف ومنهم: عبدالله بن ذكوان (242هـ) من مشاهير القراء في كتابه: (أقسام القرآن وأجوبتها) ، ولم يصلنا هذا الكتاب، وكذلك كتاب (الأيمان) لثعلب، ولم يصل إلينا أيضًا.
وممن كتب فيه بعد الإمام ابن القيم من المتأخرين محمد بن طولون (953هـ) في كتابه (خلاصة البيان في أيمان القرآن) ولم أطلع عليه.
وممن كتب فيه أيضًا من المتأخرين جدًا، الشيخ حميد الدين عبدالحميد الفراهي الأنصاري الهندي (1349هـ) في كتابه (إمعان في أقسام القرآن) وهو مطبوع عدة طبعات، وقد تكلم في كتابه هذا على معنى القسم والحلف والإيلاء، واقتصر على ما يتعلق بالمقسم به من حيث التقديس والاستدلال وأنه خفي على كثير من العلماء، وعرض نصوصًا من الإنجيل على سبيل المثال، واقتصر على عرض بعض الآيات.
[وله فيه آراء تستحق الدراسة، وقد عرض هذا الكتاب في حلقة نقاش في ملتقى أهل التفسير] .
ثانيًا / عدم اقتصار الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى على أركان القسم فقط في حديثه على آيات القسم، بل أفاض من علمه في تفسير الآيات التي عرض لها، ذاكرًا اختلاف أوجه النظر في بعض الآيات، ومرجحًا لما يراه الصواب من تلك الأقوال، مع تدعيمه ذلك بالأدلة.
ثالثًا / أظهر الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ في حديثه عن القسم، بلاغة النص القرآني وفصاحته، وما يتضمنه ذلك القسم من أحكام شرعية، ودعم ذلك بما يشهد له من القرآن الكريم، والسنة النبوية، ومن لغة العرب، وكذلك من أقوال أهل العلم.
رابعًا / اقتصار المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه على الكلام على القسم الصريح، وإغفاله الحديث عن القسم غير الصريح، ولعل ذلك لأن أكثر الأقسام غير الصريحة جاءت مقترنة بالشرط، وهو إنما قصد في كتابه القسم الصريح ودلالاته فقط.
هذه بعض الأمور التي تدل على أهمية هذا الكتاب، ولعل المتأمل لهذا الكتاب والقارئ فيه يجد أمورًا أخرى.
المبحث الخامس: مصادر المؤلف في كتابه
جمع الله سبحانه وتعالى للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى من الحفظ والذكاء وقوة الذاكرة وكثرة الاطلاع وجمع الكتب ما لا يتوفر لغيره، بل كان رحمه الله تعالى أيضًا جيد التصنيف حتى ولو كان بعيدًا عن كتبه كما في كتابه الجميل الرائع (زاد المعاد) فقد ألفه في سفره.
وقد ظهرت شخصية ابن القيم العلمية الموسوعية في هذ الكتاب الماتع (التبيان) وظهر فيه كعالم متبحر في شتى العلوم، وناقد بارع مطلع متمكن.
وسأذكر هنا المصادر التي اعتمد عليها الإمام ابن القيم في كتابه (التبيان) ، أو رجع إليها ونقل منها:
1)القرآن الكريم والسنة النبوية.
فلا غنى لمؤلف وكاتب عنهما أبدًا، فمن أراد التسديد في كتابته فعليه بالاعتماد على هذين المصدرين فهما وحي صادق.
2)تفسير البسيط للإمام الواحدي.
حيث اعتمد عليه الإمام ابن القيم في تفسيره للآيات اعتمادًا كبيرًا، ونقل عنه كثيرًا، وهذا الكتاب وهو كتاب الواحدي لم ير النور بعد، حيث لا يظل حبيس الأرفف وهو كتاب قيم جدًا، ولا أدل على ذلك من نقل ابن القيم عنه كثيرًا.
3)تفسير غريب القرآن، وتأويل مشكل القرآن.
وكلاهما لابن قتيبة رحمه الله تعالى، وقد نقل عنهما أيضًا الإمام ابن القيم في كتابه في مواضع عديدة.
4)الروايتين والوجهين، للقاضي أبو يعلى الحنبلي رحمه الله تعالى.
وقد نقل عنه الإمام ابن القيم في موضع واحد، وكلامه الذي نقله ابن القيم موجود أيضًا في كتاب آخر له وهو (إبطال التأويلات لآيات الصفات) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)