ـ [الطيب وشنان] ــــــــ [09 - 09 - 06, 04:57 م] ـ
ـــ د. إحسان النص (*)
كان الشعر سلاحًا ماضيًا في أيدي شعرائنا القدامى يتهددون به أعداءهم ويهجون خصومهم وكان إلى ذلك سبيلًا إلى اكتساب المال من الممدوحين، ولكنه كان سلاحًا ذا حدّين ربما أدى إلى إلقاء الشاعر في هاوية الهلاك، حين يكون المهجو من أولي البطش والفتك، أو من ذوي السلطان القادرين على إهلاك من يتعرض لهم بهجو أو نقد، وفي هذه الأحوال تصدق مقولة"ومن الشعر ما قتل"قياسًا على مقولة شاعرنا الأخطل الصغير،"ومن العلم ما قتل".
وسوف أتحدث عن هؤلاء الشعراء مع بيان الدافع إلى قتلهم بدءًا من العصر الجاهلي حتى العصور المتأخرة.
ـ 1 ـ
طَرَفة بن العبد
ينتمي طرفة بن العبد إلى بني مالك بن ضُبيعة، من بطون قبيلة بكر بن وائل، وهو أحد أبرز الشعراء الجاهليين، جعله بعضهم ومنهم لبيد بن ربيعة ثاني شعراء الجاهلية بعد امرئ القيس، وفضّل ابن قتيبة في الشعر والشعراء معلقته على سائر المعلقات فقال:"وهو أجودهم طويلة"، ولكن لم يؤثر عنه إلا أشعار قليلة، ولعل ما يفسر قلة شعره مقتله المبكر وهو في السادسة والعشرين.
وتذكر الأخبار في سبب قتله أنه كان وخاله المتلمس، وهو من شعراء الجاهلية أيضًا، ممن يفدون على ملك الحيرة عمرو بن هند"عمر بن المنذر"وكان بهما حفيًا، وكان لطرفة بن العبد ابن عم اسمه عبد عمرو بن بشر، ولم تكن صلة طرفة به صلة الود والمحبة وإنما كان الود مفقودًا بينهما لسوء سيرته مع أخت طرفة، فهجاه طرفة بأبيات يسخر بها منه فيقول:
ولا خير فيه غير أن له غنىً
وأن له كَشحًا إذا قام أهضما
وأن نساء الحي يعكفن حوله
يقلن عسيبٌ من سَرارةِ مَلْهَما
كان من سادة قومه، وكان سمينًا بادنًا. فأسرّها ابن عمه في نفسه. وكان له منزلة رفيعة عند عمرو بن هند.
ثم إن ابن هند وكل إلى طرفة وخاله المتلمس ملازمة أخيه قابوس بن المنذر، وكان قابوس فتى عابثًا لا يشغله إلا اللهو والقنص والشراب، فوجدا عناءً في ملازمته، وربما أنفقا اليوم كله في الوقوف ببابه، حتى ضاقا ذرعًا بالأمر، فنقما عليه وعلى أخيه عمرو بن هند لإذلالهما على هذا النحو، وكان طرفة فتى جريئًا لا يبالي بعواقب الأمر، فجرى على لسانه هجاء في عمرو بن هند وأخيه قابوس، قال فيه:
فليت لنا مكان الملك عمرو
رَغَوثًا حول قبتنا تخورُ
لعمرك إن قابوس بن هند
ليخلط مُلكَه نَوك كثير
فقد تمنى طرفة لو أنهم بدلوا بعمر بن هند نعجةً تخور حول خبائهم، ورمى أخاه قابوسًا بالحمق، ولكن عمرو بن هند لم يبلغه هذا الشعر، وكان طرفة قال قبل ذلك شعرًا يتغزل فيه بأخت عمرو بن هند، وقد رأى ظلها، فقال:
ألا بأبي الظبي الذ
ي يبرقُ شِنْفاهُ
ولولا الملك القاعـ
ـد قد ألثمني فاه
فغضب عمرو بن هند على طرفة ولكنه أسرها في نفسه. واتفق بعد ذلك أن ابن هند خرج إلى الصيد ومعه ابن عم طرفة، فأصاب حمار وحش، فطلب الملك إلى عبد عمرو أن ينزل إليه فأعياه، فضحك عمرو بن هند، وقال له: لقد أبصر طرفة حسن كشحك حين قال شعره فيك، وفي رواية أخرى أنه شاهد كشحه وهما في الحمام، فأجابه عبد عمرو: إن طرفة قال فيك ما هو أقبح من هذا الشعر، وروى له ما قاله طرفة في هجائه، فاشتد غضبه، ولكنه لم يشأ أن يقتل طرفة فورًا، اتقاء لغضب عشيرته، فدعاه ودعا خاله المتلمس، وكان قال أيضًا شعرًا في هجاء ابن هند، وقال لهما: أمضيا إلى عامل البحرين فقد أمرت لكما بجائزة، ودفع إليهما بكتاب مختوم إلى عامله، وقد أمره فيه بقتلهما.
أما المتلمس فقد شك في حسن نية ابن هند، وقال لطرفة: يا طرفة إنك غلام غِرّ حديث السن، والملك من قد عرفت حقده وغدره، وكلانا قد هجاه، فلست آمنًا أن يكون قد أمر فينا بشرّ، فهلم ننظر في كتابينا، فإن يكن أمر لنا بخير مضينا فيه، وإن يكن أمر فينا بغير ذلك لم نهلك أنفسنا. فأبى طرفة أن يفك خاتم الكتاب.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)