عرفت كليات الدراسات الإسلامية في البلاد العربية هذا اللقب الأجنبي حين بدأ نفر من الدكاترة العرب الذين تثقفوا بالثقافة الأوروبية الحديثة يهزأون بشيوخ الكليات والمعاهد الدينية، ويسخرون من طرقهم في الدرس والبحث. ونسي أصحاب هذه الأقلام الجامحة المتعالية الهازئة أن ما اتسمت به أقلامهم وألسنتهم من قوة في التأثير وبراعة في البيان إنما كان أثرًا من آثار تلك المعاهد والكليات الإسلامية التي رعت نشأتهم العلمية الأولى، وكانت في هذا كذلك الشاعر الذي آلمته رمية العقوق فقال:
أعلمه الرماية كل يوم * فلما اشتد ساعده رماني
وعندما تكاثرت الأصوات المستغربة التي تسخر من الكليات الإسلامية، وتصد أجيالًا من الطلاب عنها، رأى علماءُ هذه الكليات وأشياخها أن تيار الاستغراب - الذي كان يهيمن على الحياة الثقافية آنذاك - يقتضي أن يتخلوا عما ألفوه من ألقابهم العلمية العربية، وأن يتلقبوا بالدكتوراه التي شغفت الجامعات العربية الحديثة بها، والتي بلغ الافتتان بها حدًا جعل أديبًا يحصل على عدد منها ويلقب نفسه بالدكاترة في بعض مقالاته الصحفية التي كان ينشرها منذ حوالي نصف قرن. [هو الأديب المصري الدكتور زكي مبارك / عبدالرحمن]
وظنت طائفة من الناس أن الدكتوراه هي التي صنعت الأسماء التي لمعت في أفق الثقافة العربية في ذلك الحين، ولكن مرور السنين قد أثبت أن هذا كان وهمًا من أوهام الحياة الجامعية العربية، ذلك أن الدكتوراه - وهي في معظم أحوالها أطروحة جامعية أولية تجريبية أضعف من أن تصنع علمًا من أعلام الثقافة، أو توجد رمزًا من رموز الفكر. ولكن القدرة الذهنية المبدعة، والدأب في البحث والدرس هما اللذان صنعا الأعلام من دكاترة الفكر العربي الحديث. وربما كانت هذه الحقيقة سببًا في أن شهرة هؤلاء الدكاترة الأعلام قد نسجت أوهام الدكتوراه في الثقافة العربية المعاصرة، وأحاطتها بهالة عاجية براقة ما زالت تتراءى لبعض الأذهان.
معظم الأساتذة في كليات بريطانية مشهورة ليسوا دكاترة:
حين كانت الجامعات العربية الحديثة تحتفي بالدكتوراه احتفاءً شديدًا كما ذكر آنفًا، كانت بعض الجامعات العريقة كالجامعات البريطانية لا تلقي للدكتوراه بالًا، ولا تتخذها شرطًا في تعيين هيئة التدريس فيها، ذلك أنها كانت تعول في هذا على ما لدى المرشح للتدريس من قدرة علمية وموهبة ذهنية وصبر على البحث والدرس.
وقد أوضح الأستاذ ج. واطسون الأستاذ في جامعة كمبردج هذه الحقيقة في كتابه (الأطروحة الأدبية) الذي نشر عام 1970م فقال: (يسود الاعتقاد بأن الالتحاق في مهنة التدريس الجامعي يتطلب شهادة بكالوريوس ممتازة ومؤهلًا علميًا عاليًا مثل درجة الدكتوراه. ورغم أن المؤسسات الجامعية الأمريكية غالبًا ما تولي المؤهلات الرسمية كالدكتوراه اهتمامها إلا أن في مثل هذا الاعتقاد مبالغة كبيرة بالنسبة للجامعات البريطانية، إذ يتضح من التقرير الذي قدمته لجنة روبنز عن التعليم العالي في بريطانيا عام 1963 أن 41% من مدرسي الجامعات البريطانية لم يحصلوا على شهادة جامعية ممتازة، وأنه لم يكن بين مدرسي الجامعات الذين عينوا فيما بين عام 1959 وعام 1961 سوى 39% ممن كانوا يحملون شهادة عليا حين التعيين، كما إنه لم يكن بين هؤلاء إلا 28% من حملة الدكتوراه. وربما حصل نفر من فئة الـ 72% الذين عينوا بدون دكتوراه على هذه الدرجة بعد التعيين، ولكن عددًا كبيرًا من هذه الفئة قد فُضِّلوا في التعيين على أولئك المرشحين الذين كانوا يحملون درجة الدكتوراه. وليس من المستغرب في الجامعات البريطانية أن يفضل في التعيين مرشح لا يحمل الدكتوراه على آخر يحمل هذه الدرجة، فهناك أقسام بل كليات كاملة في جامعات مشهورة لا يحمل معظم أعضاء هيئة التدريس فيها درجة الدكتوراه) .أ. هـ [ترجم كاتب المقال فصولًا من هذا الكتاب ونشرها في كتابه (إعداد البحث الأدبي) الذي صدر في الرياض عام 1405هـ انظر ص 45 - 46 من هذا الكتاب] .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)