وقال أبو حَنِيفة للأعمش، وأتاه عائِدًا في مرضه: لَوْلا أن أثْقُل عليك أبا محمَد لعُدْتك واللّهِ في كلّ يوم مَرّتين، فقال له الأعمش: والله يا بن أخي، أنتَ ثَقِيل عليّ وأنتَ في بَيْتك، فكيف لو جئتني في كلّ يوم مَرَّتين.
وذكر رجلٌ ثقيلًا كان يَجْلِس إليه، فقال: واللّه إِني لُأبْغِضُ شِقِّي الذي يليه إذا جَلس إلِيّ.
ونقَشَ رجل على خاتَمه: أَبْرَمْتَ فَقُم. فكان إذا جَلس إليه ثقيلٌ ناوَله إِيَّاه وقال: اقرأ ما على هذا الخاتم.
وكان حَمّاد بن سَلمة إذا رأى من يَستَثقله قال:"رَبَّنَا اكشفْ عَنَا العَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنونَ".
وقال بشّار العُقَيليّ في ثَقِيل يُكنى أبا عِمْران:
رُبمَّا يَثْقُل الجَلِيسُ وإنْ كا ... نَ حنيفًا في كِفّة الميزانِ
ولقد قلتُ إذْ أطل عَلَى القَوْ ... م ثَقِيل يُرْبي عَلَى ثَهْلان
كيفَ لا تَحْمِل الأمانَةَ أُرْض ... حَمَلَتْ فوقَها أبا عُمْران
ولآخر:
أنتَ يا هذا ثَقِيلُ ... وثقيل وثقيل
أنتَ في المَنْظَر إنْسا ... ن وفي الميزان فيل
وقال الحَسَن بن هانئ في رجل ثَقِيل:
ثَقِيل يُطَالِعُنا من أمَمْ ... إذا سره رغم أنفي ألم
أقوله له إذا بَدَا لا بَدَا ... ولا حملته إلينا قدم
فَقدتُ خيالَك لا مِن عَمىٍ ... وصوت كلامك لا من صمم
وله فيه:
وما أظنَ القِلاَصَ مُنْجِيتي ... منك ولا الفلك أيها الرجل
ولو رَكِبْت البرَاق أدْرَكني ... منك على نَأي دَارِك الثَقَل
هل لك فيما ملكته هِبةً ... تَاخذه جُمْلة وتَرْتَحِل
وله فيه:
يا مَن على الجُلاس كالفَتْق ... كلامُك التًخْديش في الحَلْق
هل لك في مالي وما قد حَوَت ... يَدَاي من جِلٍّ ومن دق
تَأخُذه منّي كذا فِدْيةً ... واذْهب ففي البُعد وفي السحْق
وله فيه:
ألا يا جبل المَقْت الـ ... ذي أرسىَ فما يَبْرحْ
لقد أكثرتُ تَفكِيري ... فما أدْرِي لما تَصْلُحْ
فما تصلح أنْ تُهْجَىَ ... ولا تَصلحُ أن تُمْدَح
أَهْدى رجلٌ من الثُقلاء إلى رجل من الظُرفاء جَمَلاَ، ثم نزَل عليه حتى أبْرمه، فقال فيه:
يا مبرمًا أهدى جَمَلْ ... خُذْ وانصرف ألفيْ جَمَل
قالَ وما أوْقارُها ... قلتُ زَبِيبٌ وعَسَلْ
قال ومَن يَقُودها ... قلتُ له ألْفَا رَجُل
قال ومَن يَسُوقها ... قلتُ له ألْفَا بَطَل
قال وما لِباسُهم ... قلتُ حُلِيً وحُلَل
قال وما سِلاحُهم ... قلتُ سُيوف وأَسَل
قال عَبِيد لي إذن ... قلتُ نَعم ثم خَوَل
قال بهذا فاكتُبوا ... إذن عليكم لي سِجل
قلت له ألْفي سِجل ... فاضمَنْ لنا أن تَرْتَحل
قال وقد أضجرتُكم ... قلتُ أَجَل ثم أَجل
قال وقد أبرَمتُكم ... قلتُ له الأمر جَلَل
قال وقد أثقلتكم ... قلتُ له فوق الثَقل
قال فإني راحلٌ ... قلتُ العَجَلِ ثم العَجَل
يا كوكبَ الشُؤم ومَن ... أرْبَى على نحْس زُحَل
يا جبلًا مِن جَبَلٍ ... في جَبَلٍ فوق جبَل
وقال الحَمْدوني في رجل بَغِيض مَقِيت:
أيا ابن البَغِيضة وابن البَغِيضِ ... ومَن هو في البُغض لا يُلْحَق
سألتًك بالله إلا صَدَقْت ... وعِلْمي بأنكَ لا تَصدق
أتبغضُ نَفسك مِن بُغضها ... وإلا فأنتَ إذن أحْمَقُ
وله فيه:
في حمير الناس إن كُنـ ... ـتَ من الناس تُعَدُّ
ولقد أُنبئت: إبليـ ... ـس إذا راك يَصُد
ولحبيب الطائي في مثله، أي في رجل مَقِيت:
يا مَن تَبَرَّمت الدنيا بطَلعته ... كما تَبَرَّمت الأجفان بالرَّمدِ
يَمشي على الأرض مختالا فأَحْسِبه ... لبُغْض طَلعته يَمشي على كَبِدي
لو أنّ في الأرض جُزءًا من سَماجتِه ... لم يَقْدَم الموْتُ إشفاقًا على أحد
وللحسن بن هانئ في الفضل الرًقاشيّ:
رأيتُ الرقاشيِّ في مَوْضِع ... وكان إليَّ بغيضًا مقيتا
فقال اقترِح بعض ما تَشْتَهِي ... فقلتُ اقترحتُ عليك السُّكوتا
وأنشد الشَعبيُّ:
إنّي بُلِيتُ بمَعشر ... نَوْكَى أخفهمُ ثقيلْ
بُلْهٌ إذَا جالستهُم ... صَدِئَتْ لقُرْبهمُ العُقول
لا يُفْهموني قولهم ... ويَدِقُّ عنهم ما أقول
فَهُمُ كثِيرٌ بي كما ... أنيِّ بقُرْبهم قليل
وقال العُتْبيّ: كتب الكِسائيّ إلى الرّقاشي:
شَكَوْتَ إلينا مَجَانينَكم ... وأشْكُو إليك مَجَانيننا
وأنشأتَ تَذْكر قُذّاركم ... فأنتِنْ وأَقْذِرْ بمَنْ عِنْدنا
فلَوْلا السَّلامة كُنًا كَهُم ... ولوْلا البَلاء لكانوا كَنَا
وقال حبيب الطائي:
وصاحبٍ لي مَلِلت صُحبَته ... أفقَدَني اللهّ شَخْصَه عَجِلاَ
سَرَقْتًُ سِكِّينه وخاتَمه ... أقطع ما بيننا فما فَعلا
وقال حبيب:
يا مَن لهُ في وَجْهه إذ بَدَا ... كنُوز قارُون من البُغْض
لو فر شيء قطٌّ مِن شكله ... فرَّ إذًا بعضك من بَعْض
كوْنُك في صُلْبِ أبينا، الّذِي ... أهبطنا جمعًا إلى الأرْض
وقال أبو حاتم:
وأنشدني أبو زَيْد الأنصاريّ النًحوي صاحبُ النَّوادر:
وَجْهُ يحيى يدْعو إلى البَصْق فيه ... غير أنِّي أَصون عنه بُصاقي
قال أبو حاتم: وأنشدني العُتبيّ:
له وَجْه يَحلّ البَصقُ فيه ... ويَحْرُم أن يُلقَّى بالتَّحيَّة
قال وأنشدني:
قميصُ أبي أميِّة ما عَلِمتم ... وأوْسَخُ منه جِلْدُ أبي أُمَيَّه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)