ـ [عبد القادر بن محي الدين] ــــــــ [22 - 10 - 08, 12:29 ص] ـ
سجع الكهان (5)
و العتاق الضمر، و العقبان و الحمَّر (1) ، و الهامة و دُمرَّ (2) ، و الزامر إذا زمّر، و الخادع و ما دمّر، و العامر إذا عمّر، و الشمّري إذا شمّر، و من حبس الجيوش جمَّر، و من دخل ظَفار فحمَّر (3) ، إن للظماء مآرب , في ماء مارب (4) ، إنها تلوب , على مطلوب، كوَّنه الحيا , فكوّن به الحياة، فلا تجد إلا السراب و الخراب و الغراب.
يا عاد، أودى دَرِم (5) ، فما عاد، و يا سبأ، هل كنت من سيل العرم على مِيعاد؟ أغنى أسلافك عن ماء مأرب، ماء يثرب، و بردَّ أحشاءهم ماءُ برَدَى، و اتخذ أبناء قَيْلَة في ظلال النخيل مَقيلا، و اتخذت غسَّان منه (6) إلى جنان الشام سبيلا، فماذا أغنى أخلافك اليوم؟ إنهم عُراة، بالسَّراة، و ظماء بلا ماء، و رعية لراعٍ غير ترعية (7) ، حطّمهم رعاة البر، فأصبحوا خوَلًا لرعاة البحر، حفَّ مارب و روافده، فخرب اليمن و محافده.
يا أخلاف لم يسبق مخلاف، بنيتم السد , و أحكمتم للثغور السد، و أحسنتم لأواخي الأخوّة الشدّ، و جددتم للأبناء ما بناه الجدّ. هلا وجهتم العناية , إلى هذه الآية. (لقد كان لسبأفي مساكنهم آية؟ إنها-و أبيكم- عبرة العبر، في وصْل المبتدأ بالخبر، أين الجنتان عن يمين و شمال؟ و أين البلدة الطيبة؟ إنها اليوم رمال , و أين القرى الظاهرة , و العمارة المتكاثرة؟ إنها اليوم قفار، و أين تقدير السير بالأميال، لتيسير الاتصال؟ إنها اليومَ مجاهل , يضلّ فيها القطا، و يقطع فيها من المطايا المطا(8) . أجدبت الخمط و الأثل، فضلا عن الكرم و النخل.
أعرض أسلافكم عن هدى الله فباعد بين أسفارهم، و جعلهم أحاديث، و مزقهم كل ممزق. و أعرضتم عن سنن الله فباعد بين قلوبكم، و كنتم أهون عليه من أن يُسَيَّر فيكم حديث، أو يسطَّر في شأنكم قصص، أولئك أخذوا على قوّة، فالأحاديث عنها تملأ المسامع، و تهز المجامع، و أنتم أخذتم على ضعف و انحلال، فالحديث عنكم لا يُثير عزة، و لا ينير السبيل إلى قدوة.
لو بذل الكُهَّان، ما عزّ و ما هان، في أن يأتوا بمثل قوله: (فجعلناهم أحاديث) لما حصّلوا، و لو رقوا إلى سماء البلاغة بسلّم و كان فيهم العض (9) و الملهَم و المكلم، لما وصلوا؛ جلّ كلام الله، و قلّ كلام الكاهن.
يا أسلاف، ورّثتم الحكمة و سيّرتم الأمثال و الفِقَر، و عمرتم من التاريخ صحائف بالمحامد، و شغلتم القرون بالحديث عنكم، و شدتم الباقيات للحضارة، و زيّنتم الحياة بالقوة و البأس الشديد، و سبقتم العالم إلى موارد العزة في الدنيا، ووفقتم في نصف هذه الكرة تحكمون و تتحكّمون، و تصلون شرقَها بغربها و تقسمون، فبدتم و ما بادت آثاركم و لا أخباركم.
و يا أخلاف، ماذا صنعتم؟ و بماذا اقتنعتم؟ هذه آثار سلفكم، عرف الغريب مواقعها، و جهلتم مواضعها، فهل النسب مدخول؟ أو الانتساب غير منخول؟ و يلكم! إن الألوان , على الدلالة أعوان، سوّد بنو العباس لسؤددهم، و بيّض العلويون لطهارتهم، و خضّر العبيديون لدعواهم و دِعايتهم، و زرّقتم (10) ... لماذا؟
كاهن الحي.
ـ
ــــــــــــــ
• نشرت في العدد 74 من جريدة"البصائر"4 أفريل سنة 1949
1.نوع من الطير.
2.منتزهان بظاهر دمشق.
3.صار حميريا، و هو مثل.
4.مأرب: سد أثري في اليمن، و قصته في القرآن.
5.مثل، و درم رجل في عاد غاب و لم يرجع، و أودى هلك.
6.الضمير إلى غسان، لأنه في الأصل اسم ماء نزلوا عليه.
7.الترعية، بالكسر و التخفيف: الذي يحسن الرعي.
8.المطا: المظهر.
9.العض: العالم الخبير، و العضام زيد بن الكيس و دغفل أعلما العرب بالنسب.
10.لبستم الزرقة، و بدو اليمن يعشقون هذا اللون.
ـ [عبد القادر بن محي الدين] ــــــــ [26 - 10 - 08, 01:31 ص] ـ
سجع الكهان (6)
أقسم بالذيب الأطلس، و الثعبان الأملس، إن المتجرَ بالأحرار لَمُفلِّس، و إن العاقل بين الأشرار لَمُبلس، و إن العربيَّ لزنيم إذا بقي في المجلس (1) ، ذهب العز الأقعس، و حلّ الجد الأتعس، و نزل من غِيَر الزمان ما أنسى النسيب في الكثيب الأوعس، و التشبيب بالثغر الألعس.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)