الْعِلْمُ عُبِدَتْ 'رواه البخاري. ومن هذا نفهم أن نسيان العلم سبب لكل شر، بل هو سبب لأعظم الشرور وهو الشرك بالله سبحانه.
4 -نطلب العلم الشرعي؛ لأن به تكمل الأخلاق الفاضلة، وبه يحصل الإنسان محاسن الخصال: ولذلك قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [164] } [سورة آل عمران] . ما مهمته الرسول؟ ما وظيفته؟ ما عمله؟ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ}والتلاوة هنا ليست تلاوة اللفظ فقط بل هي تلاوة اللفظ والمعنى، فهو يبين لهم بقوله وفعله ما أنزل الله من الكتاب المبين، {وَيُزَكِّيهِمْ} والتزكية هي التدرج بالنفس إلى أعلى درجات كمالها، فالنبي صلى الله عليه وسلم بعثه الله مزكيًا مكملًا للأخلاق، ولذلك جاء في مسند الإمام أحمد بسند صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ] . قال أنس رحمه الله:' إذا قل العلم ظهر الجفاء'.
فالخلق الفاضل والسجايا الكريمة تنبع عن العلم الشرعي، فإذا أقبل الإنسان على تعلم كتاب الله، وعلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم تلقيًا بصدر منشرح، وهمة عالية، ورغبة في الخير؛ فإنه لابد وأن تزكو أخلاقه، وأن يظهر للعلم أثر في أخلاقه في قوله في عمله في هديه في سمته في سائر شأنه.
مدح الله في كتابه صفاتٍ كثيرة وأثنى على أهلها، واعلم أن كل صفة مدح الله بها العبد إنما منشؤها العلم، وهذا يبين أهمية العلم، وأن به تكمل الفضائل وتحصل على السبق في ميادين الخير والبر،
وأن من قعد عن العلم فقد قعد عن تكميل أخلاقه لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ] رواه أحمد.
5 -نطلب العلم الشرعي لأنه به يعصمنا الله من الفتن: والفتن كثرت في هذا الزمان، وستكثر لأنه كلما تقدم الوقت كثرت أسباب الضلال والزيغ وأسباب الشر على مر العصور كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: [لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ] رواه البخاري.
إنما العلم الشرعي حصن يتدرع به الإنسان من الوقوع في شراك الفتن: فتن الشهوات أو فتن الشبهات، قال تعالى في بيان أثر العلم في إزاحة العصمة من كل فتنة: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ... [83] } [سورة النساء] . وهذا شأن المنافقين وعملهم إذا جاءهم أمر من الأمن، أو الخوف أذاعوا به أي أشاعوه ونشروه دون أن يترووا هل في إشاعته مصلحة للمؤمنين وأهل الإسلام، أو لا، قال تعالى: ... وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا [83] } [سورة النساء] . فالعلم سبب للحفظ وصيانة من الوقوع في أسباب الشر.
إن الفتن تكثر مع مرور الوقت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: [إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ أَيَّامًا يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ] رواه البخاري ومسلم. وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ أي: كثرة القتل في الناس، وانظر حيث ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في بيان أول ما يصاب به الناس بين يدي الساعة فذكر رفع العلم لما لرفع العلم من الشر الذي يصيب الناس، ويبين هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ وَيَظْهَرَ الزِّنَا وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ] رواه البخاري ومسلم. وهذا يبين لنا خطورة ارتفاع العلم، وأن ارتفاع العلم من المجتمع سبب للوقوع في أنواع الفتن، وأنواع الشرور.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)