وَمَهْمَا كَانَ الْأَبُ يَصُونُهُ عَنْ نَارِ الدُّنْيَا فَبِأَنْ يَصُونَهُ عَنْ نَارِ الْآخِرَةِ أَوْلَى، وَصِيَانَتُهُ بِأَنْ يُؤَدِّبَهُ وَيُهَذِّبَهُ وَيُعَلِّمَهُ مَحَاسِنَ الْأَخْلَاقِ وَيَحْفَظَهُ من القرناء السُّوءِ وَلَا يُعِوِّدُهُ التَّنَعُّمَ، وَلَا يُحَبِّبُ إِلَيْهِ الزينة والرفاهية، فَيَضِيعُ عُمْرُهُ فِي طَلَبِهَا إِذَا كَبِرَ فَيَهْلِكُ هَلَاكَ الْأَبَدِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُرَاقِبَهُ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ فَلَا يَسْتَعْمِلُ فِي حَضَانَتِهِ وَإِرْضَاعِهِ إلا امرأة (صالحة) متدينة تأكل الحلال، فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه، فإذا وقع عليه نشو الصبي انعجنت طينته من الخبيث فيعمل طبعه إلى ما يناسب الخبائث [1] .
وَمَهْمَا رَأَى فِيهِ مَخَايِلَ التَّمْيِيزِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْسِنَ مُرَاقَبَتَهُ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ ظُهُورُ أَوَائِلِ الْحَيَاءِ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ يَحْتَشِمُ وَيَسْتَحِي وَيَتْرُكُ بَعْضَ الْأَفْعَالِ فَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِإِشْرَاقِ نُورِ الْعَقْلِ عليه، حتى يرى بعض الأشياءِ قبيحًا ومخالفًا للبعض فصار يستحي من شيءٍ دونَ شيءٍ، وهذه هديةٌ
(1) لا نعلم في الكتاب والسنة ما يدل على هذا، بل ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم لأبي رمثة كما رآه آخذا بيد ابنه: «أما إنك لا تجني عليه ولا يجني عليك» وآية: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] كل ذلك يعارض ذلك. والله أعلم