فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
بي إلى جدّ لا يزرى به لعب، وصدق لا يَشوبه كذب، ووجدتُك يا بني بعضي، بل وجدتك كلّي، حتى كأن شيئًا لو أصابك لأصابني، وحتى كأن الموت لو أتاك أتاني. فعند ذلك عناني من أمرك ما عناني من أمر نفسي. كتبت إليك كتابي هذا يا بني مستظهرًا به إن أنا بقيت لك أو فنيت، فإني مُوصيك بتقوى الله، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله فإن الله تعالى يقول: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103] . وأي سبب يا بني أوثق من سبب بينك وبين الله تعالى إن أنت أخذت به؛ أحيَّ قلبك بالموعظة، ونَوّره بالحكمة وأمته بالزهد، وذَلّله بالموت وقوّه بالغنى عن الناس، وحذّره صولة الدهر؛ وتقلّب الأيام والليالي، واعرض عليه أخبار الماضين وسِر في ديارهم وآثارهم فانظر ما فعلوا، وأين حلّوا، فإنك تجدهم قد انتقلوا من دار الغرور ونزلوا دار الغربة. وكأنك عن قليل يا بني قد صرت كأحدهم، فبع دنياك بآخرتك، ولا تبع آخرتك بدنياك. ودع القول فيما لا تعرف، والأمر فيما لا تكلّف.