وأنصحك أن تدرس سير الأولين، وتقرأ قصص الأنبياء والصالحين، قصة قوم نوح مع نوح عليه السلام، فقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، أتعرف ماذا كان يفعل؟ كان يدعو إلى الله، وكان يذكر بالله، وكان ينصح في الله، حتى استغشوا ثيابهم، وأصروا واستكبروا استكبارًا، ماذا فعل؟ قال: {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح:8 - 10] .
أما يوسف عليه السلام، فيؤخذ صغيرًا من أبيه وأمه، ويكاد يقتل، ثم يباع بثمن زهيد في الناس، عبد يباع ويشترى، ثم يتعرض للفتن، ثم يتلوث عرضه وسمعته في الناس، ثم يرمى في السجن وحيدًا، فيجلس مع صاحبي السجن فماذا يقول: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف:39] يدعو إلى الله في السجن.
ما بالنا لا ندعو إلى الله في الدوام والوظيفة والسيارة والعمل، في البيت والشارع والمجالس، ما بالنا لا نقول: يا قوم! اتقوا الله، يا قوم! اعبدوا الله، يا قوم! صلوا، يا قوم! استغفروا الله، يا قوم! كفوا عن المعاصي، ما بالنا لا نتكلم لله.
عقبة بن نافع -لعلك إذا سمعت سيرهم وقرأت أخبارهم؛ ينجلي عنك بعض الهم، ولعل همتك ترتفع- عقبة بن نافع، يقف على المحيط الأطلسي وعمره خمس وعشرون سنة، رافعًا سيفه، وقد تبللت أقدام فرسه في البحر، فيقول: [والله! لو أعلم أن خلف هذا البحر أرضًا وقومًا لخضته بفرسي هذا] يدعو إلى الله، وينشر كلمة الله.
أما جعفر الطيار، وما أدراك ما جعفر الطيار؟! يرفع لواء الدعوة والجهاد في سبيل الله، فتقطع يمينه، فيمسكها بشماله، فتقطع، فيمسكها بعضديه، ثم تكسر الرماح في ظهره وتفيض روحه وهو يقول:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شاربها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
فيموت ويطير في الجنة.