فعلى هذا نقول: إن الله تعالى هو الذي خلق أفعال العباد، ولو شاء لما فعلوها، فلو شاء لما ضل هذا ولما اهتدى هذا، فهو الذي من على هذا وهداه، وهو الذي أضل هذا وصرفه، قال الله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} [الأنعام:125] .
وقد حكى الله عن المشركين أنهم يتعلقون بعموم المشيئة، ولا متعلق لهم في ذلك، فإذا قال المشركون مثلا: ً {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام:148] ، {أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} [يس:47] ، نقول: حقًا أن الله لو شاء ما أشركتم، ولكنه سبحانه خذلكم عدلًا منه، ولم يقدر لكم الهداية؛ لكن أعطاكم قوة وأعطاكم اختيارًا، وأعطاكم ميلًا صرتم به مائلين إلى أفعال الشر وإلى الكفر وإلى المعاصي، فميلكم هذا واختياركم -وإن كان مسبوقًا بقضاء الله وقدره- هو الذي تستحقون عليه العقوبة.
فلذلك يقول أهل السنة: إن الله تعالى تغلب قدرته قدرة العباد، ولكن أعطانا قوة وأعطانا قدرة وأعطانا استطاعة نتمكن بها من مزاولة الأعمال، وقدرة الله ومشيئته غالبة على قدرة العبادة ومشيئتهم وإرادتهم، ولأجل ذلك يقول الله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان:30] ، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام في الدعاء المأثور: (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) .
المعتزلة ما اتسعت نفوسهم لهذا، فقالوا: إن قدرة العبد غلبت قدرة الله، وعلى قولهم يكون في الوجود ما لا يريد، فإنه أراد من الناس كلهم أن يؤمنوا، ولكن غلبت قدرة هؤلاء الكفار قدرة الله، فاختاروا الكفر، فكان في الكون من يخلق مع الله؛ لأنهم خلقوا أفعال العباد مستقلين بها، دون أن يكون لله تصرف بها ولا قدرة عليها، فكانوا بذلك كالمستجير من الرمضاء بالنار، كأنهم يقولون: لو أنه خلق فيهم ذلك وعذبهم لكان ظالمًا لهم، إذ كيف يعذبهم وهو الذي خلق فيهم الكفر وخلق فيهم المعاصي وأقدرهم عليها.
نقول: أنتم فررتم من شيء ووقعتم في شر منه، حيث جعلتم الله مغلوبًا على أمره، حيث قلتم: إنه يعصى قسرًا، وإن قدرتهم تغلب قدرته؛ تعالى الله عن ذلك.