فهرس الكتاب

الصفحة 705 من 1175

إذا لم يكن هناك ولاة يصلون بالناس كما في هذه الأزمنة، فإنه يختار للإمامة الأكفأ والأورع، ويعزل عنها المبتدع والعاصي المتظاهر بمعصية، فإذا عرف بأن هذا الشخص يتظاهر بمعصية، أو يفعل ذنبًا من الذنوب، فلا يجوز أن يعين إمامًا راتبًا، بل إذا علم الناس منه هذا الذنب فإن عليهم أن يؤخروه، ويسعوا في خلعه وإبعاده.

أما لو لم يقدروا فالصلاة خلفه صحيحة إذا أتمها، ولكن إذا وجد من هو أحسن منه فليصلى خلف الحسن، فإذا رأيت أن إمام ذلك المسجد يستحل سماع الغناء، أو يحلق لحيته، أو يسكر، أو يدخن، أو يسبل ثوبه، يصلي مسبلًا، أو يؤوي بعض الفسقة والأشرار، ويستضيفهم ويؤيدهم، أو يتأخر عن بعض الصلوات، أو يتركها تركًا، أو ما أشبه ذلك، وتعلم ذلك منه، وتجد إمامًا في مسجد آخر -ولو بعيدًا- تقيًا ورعًا، محافظًا على العبادة، متنزهًا عن الآثام، فلا شك أن الصلاة خلف ذلك التقي، وذلك الورع، أولى من صلاتك خلف هذا العاصي.

أما لو كان ترك الصلاة خلف ذلك الإمام يسبب ارتداعه فإن ذلك يلزم.

فلو أن الإمام شيعي، أو قبوري، أو عاصٍ مظهر للمعصية، أو معتزلي مخالف للعقيدة، أو يعتقد مذهب المتصوفة، أو ما أشبه ذلك، ومع ذلك دعوناه وبينا له، فأصر على معتقده، وصار إمامًا يصلي في هذا المسجد، فكوننا نصلي خلفه فيه إقرار لهذه البدعة أو تقوية لها، ولكن علينا أن نسعى في إزالته، ونسعى في إبعاده وفصله، وإن لم نقدر، وكان في ترك الصلاة خلفه تنفير للناس منه؛ تركنا الصلاة خلفه، وذهبنا إلى المساجد الأخرى، سيما إذا ترك الصلاة خلفه الذين لهم كلمة مسموعة، فهذا يسبب ارتداعه، ويسبب توبته، ورجوعه عما يعتقده، فيقول: قد ترك هؤلاء الصلاة خلفي، ولا شك أنهم عرفوا أن ما أفعله خطأ، فيرجع إلى نفسه ويتوب، سواء كان الذنب الذي فيه بدعة أو معصية، فيرجع عن بدعته التي هي -مثلًا- تعظيم القبور، أو سب الصحابة كما يفعله الرافضة، أو اعتقاد تفضيل بعض الصحابة على الخلفاء، أو ما أشبه ذلك، أو كان على مذهب المتصوفة الذين يدعون أن الولي أفضل من الأنبياء، أو أن أولياءهم يستطيعون أن يأخذوا من الملأ الأعلى، أو ما أشبه ذلك من عقائد الصوفية الباطلة، أو كان عاصيًا معصية ظاهرة: يحلق لحيته، أو يشرب الدخان، فإذا ترك الناس الصلاة خلفه ارتدع وفكر، وعلم أنه مخطئ، وأنهم ما تركوا الصلاة خلفه إلا وقد أنكروه، وأن الصواب معهم، وأنهم مجموعة كبيرة، ولا يمكن أن يكون هو المصيب وهم المخطئون مع كثرتهم، ففي ذلك فائدة، فنقول: تترك الصلاة خلفه، هذا إذا وجد غيره، فأما إذا لم يوجد إلا هو فإن الصلاة خلفه مجزئة، وهي أفضل من الصلاة على الانفراد كما ذكرنا.

وبكل حال فالصلاة خلف الولاة إذا لم يوجد غيرهم لازمة، ولا يجوز الانفراد عنهم، والصلاة خلف العصاة كذلك، إذا لم يوجد غيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت