قول من قال: الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل: قول باطل؛ وذلك لأنه لو كان كذلك لم يكن الإنسان مكلفًا حتى يفعل، فلا يكون على القادر توبيخ، إذا كان الإنسان قادرًا على الحج ولكنه تركه، وقال: أنا غير مكلف حتى أقدر، قلنا له: أنت مكلف من الآن؛ لأنك موصوف بالقدرة بدنيًا وماليًا، فيلزمك أن تباشر الفعل، وهكذا الإنسان الصحيح البدن الذي يسمع النداء للصلاة ولا عذر له، ويستطيع أن يأتي إلى المساجد فيؤدي الصلاة فيها، فهل يقال له: أنت لا تستطيع حتى تباشر الفعل؟ أنت غير مكلف إلى أن تبدأ في الفعل؟ لو قيل ذلك لسقطت كثير من العبادات، لو قيل مثلًا: أنت لست بمكلف ما دمت في بيتك حتى تبدأ في مباشرة الفعل؛ لاعتذر الكثير، وقالوا: لا نكون قادرين إلا إذا باشرنا، فهذا قول لا يقوله عاقل.
ولو كان كذلك لاعتذر كثير من الناس عن العمل، فلو قيل له في النكاح: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم) ، فلا يقول: أنا لا أستطيع، ما معنى الاستطاعة هنا؟ هل يقال: أنت لا تستطيع حتى تدخل بالزوجة؟ إذا رأيناه يملك المال وعنده الأهلية، قلنا: أنت مستطيع أن تتزوج، فلو قال مثلًا: ما دمت لم أتزوج، فأنا لي رخصة في أن أترك الزواج، قلنا: هذا خلاف العقل.
وقول الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:25] رخصة في أن يتزوج الأمة المملوكة إذا لم يستطع طول الحرة، فهل هذه الرخصة لا تكون إلا لمن عجز بعد الفعل؟ نقول: ليس كذلك، بل إذا رأيناه ذا مال يقدر على مهر الحرة، منعناه أن يتزوج الأمة، وقلنا: لا تحل لك، قد يقول: ما دمت لم أتزوج فأنا غير مستطيع، نقول: أنت الآن مستطيع، الطول هو المال، والمال موجود عندك، وهكذا يقال في أنواع الاستطاعة.