فهرس الكتاب

الصفحة 500 من 1175

قال الشارح رحمه الله:[وكما أن منزلة الخلة الثابتة لإبراهيم صلوات الله عليه قد شاركه فيها نبينا صلى الله عليه وسلم كما تقدم، كذلك منزلة التكليم الثابتة لموسى صلوات الله عليه قد شاركه فيها نبينا صلى الله عليه وسلم، كما ثبت ذلك في حديث الإسراء.

وهنا سؤال مشهور؛ وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فكيف طلب له من الصلاة مثل ما لإبراهيم، مع أن المشبه به أصله أن يكون فوق المشبه؟ وكيف الجمع بين هذين الأمرين المتنافيين؟ وقد أجاب عنه العلماء بأجوبة عديدة، يضيق هذا المكان عن بسطها.

وأحسنها: أن آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم، فإذا طلب للنبي صلى الله عليه وسلم ولآله من الصلاة مثل ما لإبراهيم وآله وفيهم الأنبياء، حصل لآل محمد ما يليق بهم؛ لأنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء، وفيهم إبراهيم لمحمد صلى الله عليهما وسلم، فيحصل له من المزية ما لم يحصل لغيره.

وأحسن من هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم، بل هو أفضل آل إبراهيم، فيكون قولنا: كما صليت على آل إبراهيم.

متناولًا للصلاة عليه وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم، بل هو متناول لإبراهيم أيضًا، كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران:33] ، فإبراهيم وعمران دخلا في آل إبراهيم وآل عمران، وكما في قوله تعالى: {إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ} [القمر:34] فإن لوطًا داخل في آل لوط، وكما في قوله تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} [البقرة:49] ، وقوله: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر:46] فإن فرعون داخل في آل فرعون، ولهذا -والله أعلم- أكثر روايات حديث الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إنما فيها: (كما صليت على آل إبراهيم) .

وفي كثير منها: (كما صليت على إبراهيم) ، ولم يرد: (كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) إلا في قليل من الروايات، وما ذلك إلا لأن في قوله: (كما صليت على إبراهيم) يدخل آله تبعًا.

وفي قوله: (كما صليت على آل إبراهيم) هو داخل في آل إبراهيم] .

سمعنا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد أعطي مثل ما أعطي الأنبياء قبله، فلما اتخذ الله إبراهيم خليلًا اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خليلًا كما تقدم في قوله: (إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا) ، وقد تقدم أنه صلى الله عليه وسلم لم يتخذ من أمته خليلًا، مع أنه قد أحب كثيرًا منهم، كقوله لـ معاذ: (إني أحبك) ، وكتسمية زيد: حب النبي صلى الله عليه وسلم، وأسامة حب النبي صلى الله عليه وسلم وابن حبه، ولكن لم يقل: إن هذا خليلي، بل قال: (لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر، ولكن صاحبكم خليل الله) .

وقد كلم الله موسى تكليمًا، وحصل ذلك -أيضًا- لنبينا صلى الله عليه وسلم، كلمه الله لما أسري به، وأسمعه كلامه لما أمره بخمسين صلاة فرجع وقال:(يا رب! خفف عن أمتي.

فقال: خففت عنك عشرًا، وهكذا تردد إليه حتى صارت خمس صلوات، فقال الله: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي).

ففي هذا أنه كلمه تكليمًا، فعلى هذا يكون قد حصل للنبي صلى الله عليه وسلم الخلة التي لإبراهيم، وحصل له الكلام الذي لموسى، وكذلك بقية الفضائل التي لبقية الأنبياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت