أما بالنسبة للجهاد فمعلوم أنه يستدعي أميرًا ذا حنكة ومعرفة بطرق السير، وكذلك بأوقات القتال وبمناسباته، فلأجل ذلك ما كانوا يغزون إلا ومعهم أمير قد جَرب وقد جُرب، وقد عرف الطرق وعرف القتال، وقد صارت له فطنة وتجربة قوية، فكانت كل سرية وكل جيش يخرج للغزو -السرية: ما دون الثلاثمائة، والجيش ما فوق ذلك- فلا يخرج إلا ومعه أمير، فيرفق بضعيفهم، ويزجر متخلفهم، وينتظر منقطعهم، هذا لما كان السير في ذلك الوقت على الرواحل التي كان سيرها بطيئًا، وكانوا يحتاجون إلى أن يتأنوا في سيرهم، فكانوا لابد يؤمروا واحدًا عليهم، ثم هو الذي يحدد لهم وقت القتال، وكذلك يعين لهم الأماكن التي يقيمون فيها، ويقسمهم أقسامًا، ويجعل ميمنة وميسرة، وقلبًا، ويؤجج فيهم بالحملة على القتال عندما يأذن لهم، وينصب لهم الرايات والأعلام.
لم يكن بد من أن يكون ذلك الأمير ذا تجربة، وقد يكون عند الأمير شيء من الخلل، أو معه نقص أو عيب، أو يقترف شيئًا من المعاصي، أو يترك شيئًا من الطاعات، ولكن لا يكون ذلك العمل الذي يعمله كفرًا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إلا أن تروا كفرًا بواحًا، عندكم فيه من الله برهان) ، يعني: فلا تسمعوا ولا تطيعوا ولا تقاتلوا معهم والحال هذه، فأمر بأن يقاتل مع هؤلاء ولو كانوا ذوي معصية أو خلل أو نقص، وبكل حال فقد أمرنا بأن نجاهد معهم، ونصبر عليهم.
وفي هذه الأزمنة قد يقال: إنها تغيرت الأحوال، ولكن مع ذلك لابد لكل غزو أو لكل مرابطين من رئيس يرأسهم، يمتثلون إرشاداته وأوامره، ويقفون إذا أوقفهم ويرابطون، ولا ينصرف أحد منهم إلا بعدما يأذن له، فهذه الأمور لابد من اعتبارها.
في هذه الأزمنة قد يقال: خفت تلك الأمور التي كانت قديمًا؛ وذلك لأن الأسلحة تغيرت عما كانت عليه، فقد كان القتال قديمًا مواجهة بالسيف وبالرمح، وبالنبال والسهام وما أشبهها، وأما الآن فالأسلحة قد يكتفى بإرسالها من بعيد، كالصواريخ والقنابل وما أشبهها، ولكن بكل حال لا نزال بحاجة إلى أمير يطاع في مثل هذه الأمور، هذا هو السر في الأمر بطاعة الولاة، وفي الأمر بالحج معهم والغزو معهم، ولو كان معهم شيء من الخلل، أو شيء من النقص.