أحوج المسلمين اليوم إلى أن يحصّلوا كل أسباب القوة، فهم يواجهون نظامًا عالميًا وقوى دولية لا تعرف إلا لغة القوة، فعليهم أن يقرعوا الحديد بالحديد ويقابلوا الريح بالإعصار ويقاتلوا الغزاة بكل ما اكتشف الإنسان ووصل إليه العلم في هذا العصر من سلاح وعتاد واستعداد حربي لا يقصرون في ذلك ولا يعجزون [1] .
إن قادة المماليك قدموا للأمة أعمالًا جليلة في الفداء والبطولة، فقد استطاعوا أن يقاوموا طوال فترة حكمهم عدوين غاشمين، كانت لهم أطماع في البلاد الإسلامية دينية وسياسية واقتصادية هما المغول والصليبيون، غير أنهم جميعًا لم يستطيعوا تحقيق رغباتهم ولا الوصول إلى اهدافهم إذ كان المماليك يقفون سدًا منيعًا حماية للبلاد الإسلامية ودفاعًا عن الدين والأخلاق، فكان جهادهم في هذا المضمار من أعظم الأعمال التي قاموا بها وكانت وقائعهم مع أعداء الإسلام صفحات مضيئة ومشرقة يستفيد منها ويقتدى بها المسلمون كلما أرادوا العزة والكرامة، لقد استطاع المماليك أن يثبتوا كفاءتهم وشجاعتهم في الميادين العسكرية والسياسية، فنظر إليهم حكام الدول الإسلامية وشعوبها نظرة إكبار وإجلال في حين نظرت إليهم القوى الدولية الأخرى نظرة خوف واحترام، فحرصت على ملاطفتهم ومسالمتهم أو مهادنتهم اتقاء بطشهم وانتقامهم وبذلك تكون دولة المماليك قد فرضت احترامها على الأعداء والأصدقاء وتسابق الجميع في كسب مودتها وإقامة العلاقات معها، وشهدت القاهرة نشاطًا سياسيًا ضخمًا في تلك الحقبة من تاريخ المماليك [2] .
وقد وصف عصر المماليك بأوصاف واتهامات جائرة، فوصف بأنه عصر تدهور واضمحلال، وعصر تخلف وجمود وعصر إجترت فيه العلوم اجترارًا، إلى غير ذلك من الأحكام التي انطلقت من أفواه المستشرقين خاصة، فعلى الرغم من أن الحقائق تشير إلى أن أضخم إنتاج فكري في العصور الإسلامية قد جاءنا من عصر المماليك إلا أن المستشرق الفرنسي جاستون فييت يعده إنتاجًا من الدرجة الثانية، ويقول عن ذلك: ولكن القاهرة لم تكن في أي وقت مضى مركزًا علميًا في مستوى بغداد وقرطبة، وكانت في القرنين الرابع عشر والخامس الميلاديين ـ الثامن والتاسع الهجريين مركزًا للسياسة والإدارة وبصفة
(1) المصدر نفسه صـ224.
(2) الحسبة في العصر المملوكي صـ267.