الزمن حتى تمكن الملك الظاهر بيبرس من تثبيت نفسه على عرش الدولة المملوكية في مصر والشام، حيث سارع بارسال جيش كبير أوكل إليه مهمة طرد المغول من بلاد الشام، ولما سمع المغول بمقدم ذلك الجيش دخلهم الهلع والخوف فولوا الأدبار هاربين باتجاه الشرق وطهرت بلاد الشام مرة أخرى من نير الاحتلال المغولي [1] ،
واستطاع المسلمون أن يتجاوزوا هذه المحن العظيمة وأثبت التاريخ بوقائعه وشواهده، أن هذه الأمة أصلب ما تكون عودة وأشد ما تكون قوة وأعلى ما تكون همة، عندما تحيط بها الشدائد، وتحل بساحتها الأزمات وتتبلد في سمائها الغيوم، فهي حينئذ تستجمع قواها وتستشير كوامنها، وتظهر ذخائرها وتقف في مواجهة الهجمات الغازية، والمحن القاسية، بإيمان صلب، وصبر جميل، وثبات نبيل وتوكل على الله حتى يجعل الله لها من عسرها يسرًا ومن ضيقها فرجًا، ومن مأزقها مخرجًا ومن ظلام ليلها صبحًا مشرقًا ونهارًا مضيئًا، وبهذا أثبتت الأمة عراقتها وأصالتها وأنها قادرة على أمتصاص الهزائم واجتياز المحن والشدائد العظام والوصول إلى بر الأمان في النهاية بسلام [2] .
1 ـ القيادة الحكيمة: أكرم الله الأمة في تلك الفترة التاريخية الحرجة، بالسلطان سيف الدين قطز وكان رجلًا صالحًا، كثير الصلاة في الجماعة، ولا يتعاطى الشرب ولا شيئًا مما يتعاطاه الملوك [3] ، وكان شجاعًا وبطلًا، كثير الخير، ممالئًا للإسلام وأهله وهم يحبونه [4] ، وكان مقدامًا حازمًا حسن التدبير، وكانت الأمة في أشد الحاجة لقيادة حكيمة، تتصف بصفات فذة، فقد جاءت مواهبه موافقة لحاجات الأمة [5] ، شهد معارك كثيرة مع الأيوبيين مما أتيح له خبرة في الحروب وكان مهيأ نفسيًا منذ نعومة أظفاره في أن يكون قائدًا فذًا، يشار إليه بالبنان، ويكون صاحب شأن في مجريات الأحداث في مصر والشام، وكان يعتز بعقيدته الإسلامية ويفاخر بها وكان يحمل الضغينة والحقد على المغول الذين أذاقوا خوارزمشاه ومن معه شرًا ووطأوا بلادهم وساموهم سوء العذاب، وكان له من الصفات الجسمية ما
(1) النجوم الزاهرة (7/ 104 ـ106) ..
(2) تاريخ من المتفرى عليه للقرضاوي صـ210.
(3) البداية والنهاية (17 ـ 405) .
(4) المصدر نفسه (17 ـ 411) .
(5) سيف الدين قطز، قاسم عبده صـ164.