قطز المعزى نائبًا للسلطنة بمصر، ثم لم يلبث أن أخرج المماليك البحرية من ثكناتهم بجزيرة الروضة، وعزل الملك الأيوبي الطفل موسى شريكه في الحكم، وانفرد بالسلطنة [1] ، على أن هذه الإجراءات كلها لم تكن إلا مجرد احتياطات شكلية لم تقلل من خطر أقطاي وزملائه البحرية، ويجمع المؤرخون على أن أقطاي وصل إلى قمة المجد خصوصًا بعد تغلبه على ثورة العرب، وأصبح لا يظهر في مكان إلا حوله حرس عظيم من الفرسان المسلحين كأنه ملك متوج، وكانت نفسه ترى أن ملك مصر لا شيء عنده وكان كثيرًا ما يذكر الملك المعز في مجلسه ويستنقصه ولا يسميه إلا أيبكًا، وقد بلغ ذلك المعز فكان يغضى عنه لكثرة خشداشيته البحرية [2] ، وتلقي المصادر التاريخية الضوء على القوة التي كان يمارسها ويتمتع بها أقطاي، فالمقريزي يقول عنه: واجتمع الكل على باب الأمير فارس الدين أقطاي، وقد استولى على الأمور كلها، وبقيت الكتب إنما ترد من الملك الناصر وغيره إليه، ولا يقدر أحد يفتح كتابًا ولا يتكلم بشيء، ولا يبرم أمرًا إلا بحضور أقطاي.
لكثرة خشداشيته [3] ، وابن تغري بردي يقول عنه: فإنه كان أمره قد زاد في العظمة والتفت عليه المماليك البحرية وصار أقطاي المذكور يركب بالشاويش وغيره من شعار الملك وحدثثه نفسه بالملك وكان أصحابه يسمونه الملك الجواد [4] ، فيما بينهم وعملوا على تزويجه من أحد أميرات البيت الأيوبي، وهي ابنة الملك المظفر تقي الدين محمود ملك حماة، بل إنهم تآمروا على قتل أيبك ليخلو الجو لأقطاي [5] ، قال الذهبي عنه: فعظم، وصار نائب المملكة للمعز وكان بطلًا شجاعًا جوادًا، مليح الشكل، كثير التحمل، أبيع بألف دينار، وأقطع من جمله إقطاعه الإسكندرية، وكان طائشًا ظلومًا عمّالا على السلطنة، بقي، يركب في دست الملك، ولا يلتفت على المعز، ويأخذ ما شاء من الخزائن، بحيث إنه قال: اخلوا لي القلعة حتى أعمل عُرس بنت صاحب حماة بها [6] ، وفهم منها المعز أنه مستهدف لإزالته من الحكم فقرّر التخلص منه، واتفق مع مماليكه على ذلك وأرسل إلى أقطاي يستدعيه موهمًا له أنه يستشيره في مهمات من الأمور، وأكمن له كمينًا من مماليكه وراء باب قاعة الأعمدة بالقلعة وقرر معهم أنه إذا مَرَّ مجتازًا بالدهليز يبتدرونه بسرعة، فلما وردته إلى أقطاي
(1) قيام دولة المماليك الأولى صـ133.
(2) المصدر نفسه صـ133.
(3) الجبهة الإسلامية في مواجهة المخططات الصليبية صـ412.
(4) النجوم الزاهرة (7/ 10،11) .
(5) قيام دولة المماليك الأولى صـ133.
(6) سير أعلام النبلاء (23/ 197) .