ومن الجائز أن تكون علاقات حسان بن ثابت بالغساسنة علاقات شخصية، لا تمثل العلارقة بين البلدين بالمعنى المتعارف عليه سياسيًا، لأن حسان كان شاعرًا فحلًا، وكان يمدح بني جفنة - الغساسنة- وهم كانوا يحرصون على إرضائه، ليواصل مدحه لهم، وكان ذلك هو السبب في رحلة حسان إليهم، وزيارته لهم بين الحين والحين.
والذي يؤيد هذا في نظري عدم ذكر المؤرخين والإخباريين العلاقات بين يثرب والغساسنة بعد حادثة مساعدتهم على إذلال اليهود والسيطرة على يثرب، ولو ظلت العلاقات بينهما على هذا الوجه ما أغفل ذلك المؤرخون الذين كتبوا عن يثرب، ولا اشتهر أمر ذلك وفاضت بذكره الكتب، على أن حسانًا لم يكن يذهب إلى الغساسنة وحدهم، بل كان يذهب إلى أمراء الحيرة أيضًا (1) .
والذي يظهر لي ويفهم من سكوت الأخباريين أن علاقة يثرب بالغساسنة لم تكن أفضل ولا أحسن من علاقاتها بباقي مدن الجزيرة ولا الدول المجاورة، حيث كانت علاقاتها بالجميع علاقات هادئة مبنية على أساس الجوار القائم على عدم الإعتداء، يوطد هذه العلاقات منافع متبادلة بين الأطراف المذكورة.
وعلينا بعد ذلك أن نعرف كيف كانت العلاقة بين يثرب واليمن، فاليمن إحدى الدول الكائنة في جنوب جزيرة العرب، وكثيرًا ما يطلق على ساكنها اسم عرب الجنوب، والمشهور عند المؤرخين، أن العرب الذين سكنوا يثرب كانوا قد نزحوا إليها مناليمن بعد سيل العرم، وعلى هذا فإن الأوس والخزرج ينحدرون من أصل يمني، وبالتحديد من أزد اليمن.
فلا غرابة إذًا في قيام علاقات ودية بين يثرب وبين اليمن لأنه أمر طبيعي أن تكون العلاقات طيبة دائمًا بين الأقارب، وأهل البلد الواحد، ...
(1) فجر الإسلام، ص 22.