فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 224

الدينين - اليهودية والنصرانية - لم يجدا حظهما وافرًا في الجزيرة، كما وجدته الوثنية دين العرب الأول.

لقد اعتنق العرب الوثنية عقيدة، وأخلصوا لها كدين ملأ عليهم حياتهم التي أقفرت بعد ابتعادهم عن ملة إبراهيم عليه السلام. ولقد أثرت هذه العقيدة في حياتهم تاثيرًا قويًا، وطبعتهم بطابع انعكس على حياتهم كلها حتى أصبحت الشخصية العربية التي كانت تأبى طاعة غيرها طيعة لهذه الأصنام، والتي كانت تأنف من الخضوع لكائن أيًا كانت خاضعة لتلك الأوثان، والتي اتخذت الحرية قانونًا فلي حياتها أسيرة لهذه الحجارة.

ولقد كانت طاعة العربي لآلهته بغير حدود، وخضوعه لحكمها بغير شروط، وعبوديته لها بغير قيود فلا يظعن منهم ظاعن إلا بأمرها، ولا يقيم مقيم إلا برأيها، ولا يعمل عملًا بغير مشورتها، ولا يكف عنه إلا نزولًا على رغبتها، فكانوا يشدون مإليها الرحال ويستشيرونها في كل حال يكثرون عندها الزحام، ويستقسمون لديها بالإزلام، يقربون لها القرابين ويقفون أمامها خاشعين، ويعترون عندها العتائر (1) ، أملًا في شفاء المريض وهداية الحائر.

وبلغ من حبهم لها، أنهم كانوا يسمون أبناءهم بأسمهائها، فكانوا يسمون عبد مناة، وزيد مناة، وعبد العزى وزيد اللات وتيم اللات، وهكذا.

وكانوا يعظمونها تعظيمًا شديدًا حتى أن الرجل منهم ليستشيرها في خاصة أمره ومكنون سره، ولقد أدى حبهم لها وتعظيمهم لشأنها إلى ترويضهم على الطاعة بعد التمرد والعصيان، فكان الرجل يعزم على الأمر ويأخذ له ويعد له عدته، فإذا قال له ربه:

لا، رجع عن عزمه، وانثنى عن قصده، وعاد إلى بيته وكأن لم يكن شيء.

فكانت طاعتهم لآلهتهم بداية الطريق ليتعلموا الخضوع والطاعة لمن ...

(1) العتر المذبح والعتائر الذبائح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت