والحليف بين أبناء القبيلة كالصريح يجوز خلعه إذا عمل عملًا يستحق به ذلك كما بينت سابقًا، وإذا حالف فرد فردًا أو قبيلة، وإذا حالفت قبيلة قبيلة، كان على الحليف أن يقطع صلته بقبيلته الأولى، ويدخل في القبيلة الجديدة دخولًا شاملًا فيتحمل كل تبعات القبيلة الجديدة، ويشارك في كل أوضاعها من خير أو شر، وتسلم أو حرب.
ومن حق الحلف أن يفسخ حلفه لينضم إلى حليف جديد يرى أنه يحقق له مصالحه، ولم يكن لأحد الطرفين أن يعترض على ذلك وهذا هو السبب في أن أحلافًا حلت، وأحلافًا أخرى قامت، وقد انتشرت الأحلاف بين القبائل حتى عمت الجميع، ما عدا بعض القبائل الكبيرة التي كانت تعتمد على قوتها وشجاعة أبنائها، ولكنها مهما بلغت قوتها، لم يكن لها مركز القبائل المتحالفة التي كانت القبائل تهابها وتخشى عاقبة الاعتداء عليها.
للأحلاف في نفوس العرب مكانة عظيمة، فهم يقدسونها تقديسهم لأمور دينهم، ويعظمونها تعظيمهم لشعائرهم لهذا كانوا يهتمون جدًا بها، وقد أضفوا عليها مسحة دينية تعظيمًا لشأنها، وإرهابًا لمن حاول نقضها، وإظهارًا لعظم النتائج المترتبة عليها، ولدينا نماذج من هذه الأحلاف التي تمت في الجاهلية، وذكرها المؤرخون المسلمون، وفي ذكر شيء منها بيان لما كان يفعله العرب عند عقد الحلف، وتوضيح لمكانة الحلف في نفوسهم.
تنازع بنو عبد مناف وبنو عبد الدار، وعزم بنو عبد مناف على أن يأخذوا ما بأيدي بني عبد الدار من السقاية والرفادة والحجابة واللواء، ورأوا أنهم أولى بذلك من بني عبد الدار لشرفهم عليهم، وفضلهم في قومهم، فتفرقت قريش، وكان بعضهم مع بني عبد الدار وبعضهم مع بني عبد مناف.
وعقد كل قوم على أمرهم حلفًا مؤكدًا على ألا يتخاذلوا، ولا يسلم بعضهم بعضًا ما يل بحر صوفه، فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبًا، ...