إن العبد في فترة العبودية يفقد كثيرًا من مقومات شخصيته، ويتخلى عن كثير من صفاته ومزاياه فإذا نشأ في الرق فإنه يعدم تمامًا كل هذه المقومات، لأنه يوجد في ظروف لا تمكنه من إظهار ما يتمتع به مواهب وبمرور الزمن يصبح إنسانًا آليًا يقول ما يقول سيده، ويفعل ما يريده، ليس له في ذلك اختيار ولا إرادة.
وعندما يفقد الإنسان إرادته حتى في أموره الشخصية، وعندما يكون الإنسان لا يستطيع أن يفعل إلا ما يريده غيره، عندئذٍ لا يمكنه أن يسهم في بناء المجتمع الذي يعيش فيه، بل لا يمكنه أن يواجه الناس في هذا المجتمع، ويتعامل معهم كفرد مستقل له شخصيته، وله مكانته.
وكذلك كان العبيد في المجتمعات التي عاشوا فيها، وإذا لاحظنا أنهم كانوا يبيعون ويشترون ويتصرفون تصرفات جيدة إنما كان ذلك في الحقيقة لسادتهم وباسم سادتهم.
إن العبد كانيتعامل مع الناس وهو يحس إحساسًا صادقًا بأنه في حمى سيده ولن يستطيع أحد الإعتداء عليه لذلك، فإذا أخرجنا هذا الإنسان وهو في هذه الظروف النفسية من تلك الحماية التي يشعر بها، وتركناه يواجه المجتمع من غير هذا الجوار، لا شك أنه سينهار، ويتحطم أمام العقبات التي تواجهه، لأنه لا يجد مننفسه القوة على مواجهتها وحده، وكيف وهو لم يتدرب على ذلك ولم يتعوده؟.
لهذا كان الولاء المترتب على العتق بين السيد ومن يعتقه، سندًا قويًا لهؤلاء العتقاء، إذ يشعرون وهم يواجهون المجتمع بأنهم في جوار حصين، فيتصرفون وهم يشعرون بحريتهم أولًا، وبولائهم لسيدهم ثانيًا، فتبرز بذلك مواهبهم، وتظهر معالم شخصيتهم، ويتبوءون مركزهم الاجتماعي اللائق بهم، وبذلك يكون الولاء سببًا عظيمًا من أسباب رقيهم الاجتماعي، وتقدمهم الحضاري ....