الأوس، وبعد استدامة هذه الحروب التي أضعفت قوتهم العسكرية، وأهلكت قوتهم الاقتصادية، لهذا خرج عمرو، ووقف في وجه الزحف الخزرجي وأجار سعد بن معاذ وأخاه كما أجار أموالهم من القطع والحرق.
وفي يوم بعاث لم يعدم الأوس رجلًا عاقلًا منهم يبادر بإيقاف الإبادة، ويدعوهم إلى العفو، فيصبح يا معشر الأوس اسحجوا ولا تهلكوا إخوانكم، فجوارهم خير من جوار الثعالب (1) ثم يقف سعد بن معاذ الأوسي موقفًا لا يقل روعة عن موقف ابن الجموح، فيجير بني سلمة وأموالهم من القطع والحرق.
وإنني أعتقد أنه لولا وجود أمثال هؤلاء الزعماء الحكماء في صفوف الفريقين لما ابقت تلك الحروب على شيء من الزرع أو الضرع ولأقفرت الشخصيات العربية موقف الحياد بين الطرفين، وعدم التورط في إراقة الدماء أثر بليغ في المحافظة على الوضع الاقتصادي، وإحداث شيء من التوازن بين الطرفين، وإيجاد جهة يمكن الرجوع إليها كلما تأزمت الأوضاع، وتفاقمت الأمور.
كان الصيد في جزيرة العرب وسيلة من الوسائل التي يعتمد عليها السكان في معاشهم، حيث كانوا يأكلون ما يصيدون فيكون غذاء، أو يبيعون ما يقنصون، ويستعينون بثمنه على شراء ما يحتاجون، وكما كان الصيد حرفة لدى بعض العرب بدوًا كانوا أو حضرًا، كان كذلك هواية يمارسها كثير منهم، وكانوا يخرجون في أيام مخصوصة للقنص، يعرفونها تكثر فيها الحيوانات والطيور التي تصاد.
وكان الصيد عندهم نوعين: صيد البر، وصيد البحر، فأما صيد البحر ...
(1) ابن الأثير (1/ 418) .