فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 224

كانت علاقتها بالغساسنة، حتمتها ظروف القرابة وحاجة يثرب إلى مساعدة الغساسنة للتغلب على اليهود، ثم توقفت بعد ذلك، وأما علاقتها مع اليمن فقد أوجبتها القرابة والحنين إلى الوطن الأصلي وقدوم بعض تجار اليمن إليها في طريقهم إلى الشام.

اشتهرت مدينة يثرب بمنعتها وحصونها، كما اشتهر أهلها بالبأس والقوة والشجاعة والبصر بالحرب، وكانت في يثرب مصانع للأسلحة، فقد كانت تصنع فيه الدروع، وكان اليهود هم القائمون على صناعتها، كذلك كانت تصنع السيوف والسهام، وأخذت صناعة السهام فيها شهرة كبيرة حتى قيل: أجود السهام سهام يثرب (1) .

وكانت هذه الأسلحة على اختلافها عزيزة عليهم، لا يستغنون عنها، ولا يفرطون فيها، وكان الرجل منهم يهتم بسلاحه كما يهتم بولده، ولقد قبل كعب بن الأشرف اليهودي رهن الأسلحة عنده بدلًا من رهن الأبناء، روى ابن هشام في قصة مقتل كعب بن الأشرف، أن سلكان بن سلامة، ذهب إلى ابن الأشرف وتكلم معه كلامًا طويلًا، ثم قال له: إني قد أردت أن تبيعنا طعامًا ونرهنك ونوثق لك، وتحسن في ذلك، فقال: أترهنوني أبناءكم؟ قال: لقد اردت أن تفضحنا، إن معي أصحابًا لي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن في ذلك، ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء (2) .

لا شك في أن قبول ابن الأشرف السلاح رهنًا بدلًا من الولد دليل على قيمة السلاح عندهم، وأنهم كانوا يرونه صنو أبنائهم.

إن وجود السلاح في يثرب بهذه الكثرة، مع قوة رجالها وشدة بأسهم وخبرتهم بالحرب والقتال جعلهم يطمئنون إلى قدرتهم على الدفاع عن ...

(1) مكة والمدينة، ص 349.

(2) ابن هشام (م2/ 55) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت