لقد سكن اليهود يثرب من قديم الزمان وأقاموا بها حتى دخلها الإسلام وقد رويت روايات كثيرة ذكرها المؤرخون في سبب دخول اليهود المدينة واتخاذها مقرًا لهم، نذكرها هنا كما ذكرها المؤرخون، ثم نناقشها في ضوء الأحداث التاريخية في ذلك الزمان، فتثبت منها ما يتفق والواقع التاريخي وتنفي ما لا يكون كذلك.
الأولى: ذكر المؤرخون أن أول سكنى اليهود الحجاز ويثرب، كان في عهد موسى - عليه السلام - ومن هؤلاء ابن زبالة، وابن النجار، والسهيلي وياقوت، وغيرهم.
وكلهم متفقون تقريبًا على أن العماليق كانوا يسكنون يثرب، وأنهم بغوا وطغوا، وعتوا عتوًا كبيرًا، وأن موسى - عليه السلام - بعث بعثًا من بني إسرائيل، فقاتلوهم، حتى أفنوهم وأقاموا في يثرب منذ ذلك الوقت، ونكتفي بروايةا بن زرالة التي تقص هذا المعنى. حيث يقول: (كانت العماليق قد انتشروا في البلاد، فسكنوا مكة والمدينة والحجاز كله وعتوا عتوًا كبيرًا، فلما أظهر الله موسى - عليه السلام - على فرعون، وطئ الشام وأهلك من بها، يعني من الكنعانيين - وقيل بعث إليهم بعثًا، فأهلك من كان بها منهم، ثم بعث بعثًا آخر الى الحجاز للعماليق، وأمرهم ألا يستبقوا أحدًا منهم بلغ الحلم، فقدموا عليهم، فأظهرهم الله، فقتلوهم، حتىانتهوا الى ملكهم الأرقم بن أبي الأرقم فقتلوه واصابوا ابنًا له - وكان شابًا من أحسن الناس - فضنوا به عن القتل، وقالوا: نستحييه حتى نقدم به على نبي الله موسى- عليه السلام - فيرى فيه رأيه، فأقبلوا وهو معهم، فقبض الله موسى قبل قدوم الجيش، فلما سمع بهم الناس تلقوهم، فسألوهم، فأخبروهم بالفتح وقالوا: لم نستبق منهم إلا هذا الفتى، فإنا لم نر شابًا أحسن منه، فتركناه حتى نقدم على نبي الله موسى - عليه السلام - فيرى فيه رأيه، فقالت لهم بنو إسرائيل: إن هذه لمعصية منكم لما خالفتهم أمر نبيكم، لا والله لا تدخلون علينا بلادنا أبدًا، فقال الجيش:
ما بلد إذ منعتم بلادكم بخير من البلد الذي خرجتم ...