ويظهرها بمظهر القوي القادر على مواجهة أعدائها هو الأخذ بالثأر، ذلك لأن القبيلة إذا سكتت عن دماء أبنائها طمع فيها غيرها، وأصبحت هزوًا منها غيرها، ومن أجل هذا كانوا لا يقبلون الدية، ويعتبرونها كما قلت سابقًا دليلًا على ضعف القبيلة وهوانها.
فالأخذ بالثأر في نظام القبائل أمر لا يعدله أمر، وواجب لا يغني عنه واجب آخر مهما عظم لأن المجتمعات القبلية تعتمد في بقائها وهيبتها على قوة أفرادها وتماسك جماعاتها، فإذا فقدت ذلك لا تستطيع حماية نفسها، ولا تجد من يأخذ لها حقها.
وعلى الثائر أن يطلب ثاره أو يموت دونه، حتى إذا مات دون أن يدركه، انتقل الطلب به إلى أبنائه وأحفاده إرثًا يلزم أعناقهم ولا يستطيعون الفكاك عنه (1) .
ويقضي العرف على الثائر ألا يقرب النساء، ولا يشرب الخمر، ولا يمس طيبًا ولا دهنًا، وأن يبتعد عن ملذات الحياة كلها حتى يدرك ثأره، فإذا أدركه حل له كل ما كان حرمه على نفسه (2) والعرب يعتقدون أن طائرًا يعرف بالهامة يقف على قبل المقتول كل ليلة يطالب بالثأر، ويشكوا الظمأ لأنه لم يرو من دم القاتل، ولا يكف عن ذلك حتى يثأر للمقتول (3) .
له هامة تعو إذا الليل جنها ... بني عامر، هل للهلالي ثائر؟
وكثيرًا ما كان الثائر يختار أشرف رجال القبيلة، ويقتله بقتيله، وإن لم يكن له يد في القتل ليثبت قدرته وقوته، ولما كان الثائر يعفو عن القاتل، ولا يحصل ذلك إلا إذا كان الثائر معروفًا بقوته وبقدرته على الأخذ بثأره، أما الدية فكانوا يأنفون من قبولها لأنها في نظرهم علامة الذل والهوان.
وفي حين قبولِ الدية يلاحظون منزلة المقتول وشرفه في قومه، ولهم في ...
(1) العقد الفريد (6/ 22 - 25) .
(2) العقد الفريد (6/ 61) .
(3) الأغاني (3/ 105) .