الأوس والخزرج من يومئذٍ أعز أهل المدينة، وقمعوا اليهود، وسار ذكرهم وصار لهم الأموال والآطام (1) .
وأما الأصبهاني فيقول: إن مالك بن العجلان قد زارهم بالشام، فسأله أبو جبيلة عن حالهم بالمدينة، فشكا إليه سوء وضعهم واضطهاد اليهود لهم، فقال أبو جبيلة: إنا إذا نزلنا في مكان كانت السيادة لنا، فما بالكم، وأخبره بأنه سيحضر إليهم بجيش عظيم، وسيخفي قصده حتى لا يتحصن اليهود بآطامهم، وطلب منه أن يبني مكانًا ويظهر احتفاءه بالملك فيه ثم جاء أبو جبيلة بجيشه، ونزل بذي حرض قريبًا من أحد، وطلب الأوس والرزج وحياهم وأعطاهم، ثم ارسل إلى يهود. وصنع طعامًا، وارسل إلى وجوههم ورؤسائهم، فلم يبق من وجوههم أحد إلا أتاه، وجعل الرجل منهم يأتي بخاصته وحشمه، رجاء أن يحبوهم الملك، وقد جعل في الحيز الذي بناه مالك رجالًا، وأمرهم أن يقتلوا كل من دخل عليهم من اليهود، حتى أتى على وجوههم وأشرافهم (2) .
ويتابع ابن النجار الأصبهاني على ما ذكر، وكذلك ياقوت في كلامه عن مأرب لا يذكر قصة الفطيون، وينسب إخراج اليهود من المدينة واستيلاء الأوس والخزرج عليها إلى قوة الأوس والخزرج أنفسهم، فيقول متحدثًا عن ثعلبة العنقاء جد الأوس والخزرج:
فلما كبر ولده وقوي ركنه، سار نحو المدينة، وبها ناس كثير من بني إسرائيل متفرقون في نواحيها، فاستطنوها واقاموا بها بين قريظة والنضير وخيبر وتيماء ووادي القرى ونزل أكثرهم بالمدينة إلى أن وجد عزة وقوة، فأجلى اليهود عن المدينة، واستخلصها لنفسه وولده، فتفرق من كان بها من اليهود وانضموا إلى إخوانهم الذين كانوا بخيبر وفدك، وتلك النواحي، وأقام ثعلبة وولده بيثرب، فابتنوا فيها الآطام وغرسوا فيها النخل، فهم الأنصار الأوس والخزرج (3) .
(1) معجم البلدان (4/ 493 - 494) وقد ذكر القصة ابن الأثير (401 - 402) .
(2) الأغاني (19/ 96) .
(3) معجم البلدان (4/ 385) .