ج8ص153
لاستواء المعلومات عنده كما قال تعالى: { يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } [ سورة ادبقرة ، الآية: 77 ] ولذا قدم ما يسرّون فافهم. قوله: ( كالبذور ) تمثيل وخصه لظهوره وقوله: كالأمطار إشارة إلى أنّ السماء هنا بمعنى جهة العلو ، وقوله: لا ينفك علمه ، وقدرته الخ. فالمعية غير مكانية بل معنوية بمعنى ما ذكر وهو تمثيل ، وقيل: مجاز مرسل بعلاقة السببية وقوله: فيجازيكم إشارة إلى أنّ الاطلاع عليه كناية عن الجزاء. قوله: ( ولعل تقديم الخلق ) في هذه الآية بقوله: خلق السموات الخ. على العلم في قوله: يعلم ما يلج الخ مع أنّ الخلق ، والإيجاد من صفات الأفعال المتأخرة عن العلم الذي هو من صفات الذات فكان المناسب العكس إلا أنه عدل عنه لأنه دليله ، والدليل من شأنه التقدّم على المدلول لتوقفه عليه ، وتقدّم رتبته لأنا نستدل بخلقه ، وايجاده المصنوعات المتقنة على أنه عالم. قوله: ( ذكره مع الإعادة ) أي مع ذكر المعاد هنا الدال عليه قوله ، والى الله ترجع الأمور كما ذكره قبلى مع أمور المبدأ من الأحياء ، والإماتة الواقعين في الدنيا لأنه كالمقدمة لهما لأنّ اختصاص ملك جميع الأشياء به وكونه متصرّفًا فيها يصحح الأحياء ، والإماتة ، ويوجب كونه مرجعا للأمور دون غيره ، ودلالته على الإبداء ظاهرة ، وعلى الإعادة لأنّ من خلقها يقدر على إعادتها كما قال: { أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم } [ سورة يس ، الآية: 81 ] . قولى: ( فهي في الحقيقة له لا لكم ) فالخلافة إمّا عمن له التصرّف الحقيقي ،
وهو الله وهو المناسب لقوله: له ملك السموات والأرض ، أو عمن تصرّف فيها قبلهم ممن كانت في أيديهم فانتقلت لهم فالحث على الإنفاق ، وتهوينه على الأوّل ظاهر لأنه أذن له في الإنفاق من ملك غيره ، ومثله: يسهل إخراجه ، وتكثيره ، وعلى الثاني أيضا لأنّ من علم أنه لم يبق لمن قبله علم أنه لا يدوم له أيضا فيسهل عليه الإخراح:
وما المال والأهلون إلا ودإئع ولا بد يوما أن تردّ الودائع
قوله: ( وعد فيه مبالغات ) بينها بقوله: جعل الجملة اسمية لدلالتها على الدوام ، والثبات
الأبلغ من غيره ، وكان الظاهر أن تكون فعلية في جواب الأمر فيقال يعطوا أجرًا كبيرا مثلًا ، والجعل مصدر مبدل من قوله: مبالغات بدل اشتمال ، واعادة ما ذكر إذ الظاهر أن يقال: فمن ذلك فله أجر كبير فاعيدا اهتمامًا ، واعتناء بهما وتنكير الأجر يفيد التعظيم كوصفه بأنه كبير ، وهذا الوعيد فيه ترغيب لهم لا يخفى. قوله: ( وبناء الحكم على الضميرا لما كان المتبادر من هذه العبارة أن يجعل الضمير مبتدأ مخبرًا عنه بجملة ، ونحوها ليتكرّر الإسناد وليس ما نحن فيه كذلك قيل: المراد أنه حكم بأنّ الأجر الكبير لهم بتقديم الضمير ، وقيل: إنّ الضمير محكوم عليه معنى لا لفظا لأنّ محصل المعنى هم مختصون بأجر كبير. قوله:( وما تصنعون غير موّمنين الخ ) يعني أنّ جملة لا تؤمنون حال ، والعامل فيها معنى الفعل في مالكم كما قرّره النحاة ، وفصله الرضي في باب المفعول معه ، وما قيل من أنه لا منع من جعله حالًا من المجرور في لكم ، والعامل متعلق الظرف كلام فاسد لأنهم إنما اتفقوا على أنّ العامل فيه معنى الفعل المفهوم من الجار والمجرور إذ المراد به ما يصنع لأنّ المعنى يقتضيه والمسؤول عنه في مالك ، وما بالك وما شأنك وأمثاله هو الحال لأن معنى مالك قائمًا لم قمت ، ولا يؤدي هذا المعنى إلا ما يصنع بالقيام ، ولو كان التقدير ما استقرّ لك في حال القيام كنت سائلا عما صدر منه في قيامه ، وليس بمراد وذو الحال على كل حال هو الضمير ، وكلامه يوهم أنه غيره على ما ذهب إليه المصنف رحمه الله فافهم ، وقوله: ما لك قائمًا إشارة لما قرّرناه. قوله: ( حال من ضمير لا تؤمنون ( فهي حال متداخلة ، وقوله: أفي عدّر الخ إشارة إلى أنّ المسؤول عنه مضمون الحال كما قرّرناه ، ولام لتؤمنوا صلة يدعو أو تعليلية ، والى الأوّل ذهب المصنف رحمه الله كما أشار إليه بقوله: يدعوكم إليه فاللام بمعنى إلى لأنه يتعدى بها وباللام. قوله:( قبل ذلك ) القبلية مأخوذة من جعله حال من أحد ضميري يدعو لتخالف الفعلين في الاستقبال ، والمضيّ وفي نسخة قيل بالمثناة التحتية مجهول القول ، وبعده وذلك الخ بالواو ، وهي صحيحة أيضا لكن المعنى مختلف فيهما ، والنسخة الأولى أصح رواية ودراية ، وقوله: بنصب الأدلة الخ يعني أنه تعالى لما نصب الأدلة على وجوب الإيمان وخلق فيهم قوّة النظر فيها كان كأنه أخذ عنهم مواثيق ، وعهودًا على الإيمان بما جاءتهم به الرسل ، وهو المراد بقوله: { وإذ أخذ ربك } الخ على أحد الوجوه وفيه قول آخر ويصح حمل ما هنا عليه كما قيل ، وقد مرّ تفصيله