ج8ص197
أنهم شهدوا وهم لم يعتقدوا ما شهدوا به ، وأمّا تصديق المشهود فلتحقيق أنه مخالف للعلم دون الواقع ، فلا يرد ما قيل إنّ كون الشهادة ما ذكر لا يوجب تصديق المشهود به ، وإنما هو سبب لتكذيبهم في الشهادة. قوله: ( لأنهم لم يعتقدوا الخ ) متعلق بقوله: كذبهم ، يعني أنّ إخبارهم بما ذكر ليس عن علم ، فاندفع تمسك النظام بهذه الآية لما اذعاه ، من أنّ معنى الصدق والكذب مطابقة الحكم لاعتقاد المخبر وعدمها لأنه علق فيها التكذيب ، بقوله: إنك لرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو مطابق للواقع دون الاعتقاد ، فيلزم أن يكون الكذب عدم مطابقة الخبر للاعتقاد ، ولا قائل بالفصل ، فالصدق مطابقته للاعتقاد أيضا لأنا لا نسلم أنّ تكذيبهم في هذا القول ، وهو إنك لرسول الله ، بل في قولهم نشهد ، لأنّ معنى الشهادة ما مز ، فإطلاق الشهادة على الزور مجاز ، ك!طلاق البيع على الباطل ، ومن عمم الشهادة للزور يقول التكذيب في ادّعائهم صدق الرغبة ووفور النشاط في أخبارهم ، وأنه صادر عن صميم القلب وخلوص الاعتقاد ، كما تدل عليه الجملة الاسمية المؤكدة ، أو التكذيب لقولهم: نشهد الخ. لتأكيد المشهود به بما يدل على أنه مواطئ لما في القلب ، وبه رجع إلى عدم مطابقة الواقع ، وهذا الأخير ما اختاره الزمخشريّ ، وقد تقدم فيه كلام في سورة البقرة. قوله: ( حلفهم الكاذب ) كونه: كاذبًا يفهم من الإضافة ، وعلى هذا هو استئناف لتعديد قبائحهم ، وقوله: أو شهادتهم هذه أي المراد بإيمانهم ، قولهم: نشهد هنا ،
والجمع باعتبار تعدد قائليه فهو استثناف لبيان ما في قلوبهم ، وقوله: فإنها أي هذه الجملة تجري مجرى الحلف ، توجيه لتسمية ما ذكر يمينا بأنّ الشهادة ، وأفعال العلم واليقين أجرتها العرب مجرى القسم ، وتلقته بما يتلقى به القسم ، كقوله: إنك لرسول الله وقوله: ولقدعلمت لتأتين منيتي إنّ المنايالاتطيش سهامها
فشبهت اليمين المقررة للدعوى بالشهادة المثبتة له ، واستعير اسمها له ، أو هو مضمن له فيؤكد بها الكلام ، كالقسم ، وقوله: وقرئ إيمانهم أي بكسر الهمزة ، وقراءة العامّة بفتحها جمع يمين. قوله: ( صذّا أو صدودا ) يعني أنّ الفعل متعد فمفعوله محذوف أي الناس ، أو لازم ، لأنّ الفعول غلب في مصدر اللازم كالجلوس ، وعلى الأوّل معناه المنع وعلى الثاني الأعراض قيل: والأوّل أظهر لأنّ إعراضهم أمر مستمر غير مسبب عن اتخاذ الإيمان جنة ، وفيه نظر لأنّ المنع لا يظهر تسببه عما قبله ، وهو مستمر أيضا فلا بد من التأويل فيه أيضًا ، وقوله: اتخذوا جواب إذا ، وقيل الجواب قالوا وقيل هو مقدّر ، وقوله: والله يعلم جملة معترضة ، لدفع إيهام أنّ كذبهم في مضمون الخبر ، وظاهره فيه تتميم لطيف كقوله:
فسقي ديارك غيرمفسدها صوب الحياء وديمة المطر
وهو من حشو اللوزينج كقول المتنبي:
وتحتقر الدنيا احتقار مجرّب يرى كل ما فيها وحاشاك فانيا
قوله: ( من نفاقهم وصدّهم ) الدال عليه ما مرّ ، وقوله: أي ذلك القول يعني قوله: ساء ما
كانوا يعملون ، والإشارة بالبعيد لتقضي ذكره كما مرّ في أوّل سورة البقرة ، وقوله: أو إلى الحال المذكورة ، لو قال ما ذكر كان أحسن لما فيه من توجيه الأفراد والتذكير في اسم الإشارة ، وقوله: بالإيمان بكسر الهمزة وفتحها ، وقوله: ثم كفروا سرًّا لأنهم منافقون لا يظهرون الكفر ، ولذا أوّل ليناسب ما نحن فيه ، وثم على هذا لاستبعاد ما بين حالي الكفر والإيمان أو المراد ثم ظهر إسرارهم الكفر كما في شرح الكشاف ، وحينئذ يجوز في ثم إن تكون على حقيقتها. قوله: ( أو آمنوا إذا رأوا آية الخ ( هذا أيضا وصف المنافقين ، ويكون
إيمانهم وكفرهم فيما بينهم وبين شياطينهم ، وقيل: هذا بناء على أنّ المراد بهم أهل الردّة ، وعلى الوجه الثاني في الكشاف ، ولا يخفى أنه ليس في كلام المصنف ما يدل عليه ، وقوله: تمرنوا أي صار معتادًا لهم ، وقوله: حقية الإيمان ، وفي نسخة حقيقة الإيمان ، والأولى أصح ، وقوله: صباحتها بالفتح أي حسنها وجمالها ، وقوله: لذلاقتهم بفتح الذال المعجمة وهو انطلاق ألسنتهم وحدتها. قوله: ( فيعجب بهياكلهم ) بالبناء للمجهول ، وكذا ما بعده لأنه عليه الصلاة والسلام لا يعجبه مثل هؤلاء الصور الفارغة ، والهيكل في الأصل البناء المشرف ، والحكماء تستعمله للبناء